مسائل فقهية: الإباحة – من الموسوعة الفقهية

Posted: 3 مارس 2012 in مقالات إسلامية, مقالات تربوية, موسوعات, مسائل فقهية

الإباحة

التعريف :

1 – الإباحة في اللغة : الإحلال ، يقال : أبحتك الشيء ؛ أي أحللته لك . والمباح خلاف المحظور . وعرف الأصوليون الإباحة بأنها خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين تخييرا من غير بدل  . وعرفها الفقهاء بأنها الإذن بإتيان الفعل حسب مشيئة الفاعل في حدود الإذن  . وقد تطلق الإباحة على ما قابل الحظر ، فتشمل الفرض والإيجاب والندب  .

الألفاظ ذات الصلة بالإباحة :
الجواز :
2 – اختلف الأصوليون في الصلة بين الإباحة والجواز ، فمنهم من قال : إن الجائز يطلق على خمسة معان : المباح ، وما لا يمتنع شرعا ، وما لا يمتنع عقلا ، أو ما استوى فيه الأمران ، والمشكوك في حكمه كسؤر الحمار ، ومنهم من أطلقه على أعم من المباح ، ومنهم من قصره عليه ، فجعل الجواز مرادفا للإباحة  .
والفقهاء يستعملون الجواز فيما قابل الحرام ، فيشمل المكروه  . وهناك استعمال فقهي لكلمة الجواز بمعنى الصحة ، وهي موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع ، والجواز بهذا الاستعمال حكم وضعي ، وبالاستعمالين السابقين حكم تكليفي .

الحل :
3 – الإباحة فيها تخيير ، أما الحل فإنه أعم من ذلك شرعا ؛ لأنه يطلق على ما سوى التحريم ، وقد جاء مقابلا له في القرآن والسنة ، كقوله تعالى : { وأحل الله البيع وحرم الربا }  وقوله : { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك }  وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” أما إني والله لا أحل حراما ولا أحرم حلالا ”  . ولما كان الحلال مقابلا للحرام شمل ما عداه من المباح والمندوب والواجب والمكروه مطلقا عند الجمهور ، وتنزيها عند أبي حنيفة . ولهذا قد يكون الشيء حلالا ومكروها في آن واحد ، كالطلاق ، فإنه مكروه ، وإن وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه حلال  ،
وعلى ذلك يكون كل مباح حلالا ولا عكس .

الصحة :
4 – الصحة هي موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع  . ومعنى كونه ذا وجهين أنه يقع تارة موافقا للشرع ، لاشتماله على الشروط التي اعتبرها الشارع ، ويقع تارة أخرى مخالفا للشرع . والإباحة التي فيها تخيير بين الفعل والترك مغايرة للصحة . وهما وإن كانا من الأحكام الشرعية ، إلا أن الإباحة حكم تكليفي ، والصحة حكم وضعي على رأي الجمهور .
ومنهم من يرد الصحة إلى الإباحة فيقول : إن الصحة إباحة الانتفاع  .
والفعل المباح قد يجتمع مع الفعل الصحيح ، فصوم يوم من غير رمضان مباح ، أي مأذون فيه من الشرع ، وهو صحيح إن استوفى أركانه وشروطه . وقد يكون الفعل مباحا في أصله وغير صحيح لاختلال شرطه ، كالعقود الفاسدة . وقد يكون صحيحا غير مباح كالصلاة في ثوب مغصوب إذا استوفت أركانها وشروطها عند أكثر الأئمة .

التخيير :
5 – الإباحة تخيير من الشارع بين فعل الشيء وتركه ، مع استواء الطرفين بلا ترتب ثواب أو عقاب ، أما التخيير فقد يكون على سبيل الإباحة ، أي بين فعل المباح وتركه ، وقد يكون بين الواجبات بعضها وبعض ، وهي واجبات ليست على التعيين ، كما في خصال الكفارة في قوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة }  فإن فعل أي واحد منها يسقط المطالبة ، لكن تركها كلها يقتضي الإثم .
وقد يكون التخيير بين المندوبات كالتنفل قبل صلاة العصر ، فالمصلي مخير بين أن يتنفل بركعتين أو بأربع  .
والمندوب نفسه في مفهومه تخيير بين الفعل والترك ، وإن رجح جانب الفعل ، وفيه ثواب ، بينما التخيير في الإباحة لا يرجح فيه جانب على جانب ، ولا يترتب عليه ثواب ولا عقاب .

العفو :
6 – من العلماء من جعل العفو الذي رفعت فيه المؤاخذة ، ونفي فيه الحرج ، مساويا للإباحة ، كما جاء في الحديث ” إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وعفا عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها ”  . وهو ما يدل عليه قوله تعالى { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها }  . فما عفا الله عنه لم يكلفنا به فعلا أو تركا ، ولم يرتب عليه مثوبة ولا عقابا . وهو بهذا مساو للمباح .

ألفاظ الإباحة :
7 – الإباحة إما بلفظ أو غيره ، سواء من الشارع أو من العباد . فمثال غير اللفظ من الشارع أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلا من الأفعال ، أو يسمع قولا ، فلا ينكره ، فيكون هذا تقريرا يدل على الإباحة .
ومثاله من العباد أن يضع الشخص مائدة عامة ليأكل منها من يشاء .
وأما اللفظ فقد يكون صريحا ، ومن ذلك نفي الجناح ونفي الإثم أو الحنث أو السبيل أو المؤاخذة . وقد يكون غير صريح ، وهو الذي يحتاج في دلالته على الإباحة إلى قرينة . ومن ذلك : الأمر بعد الحظر ، كقوله تعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا }  ومنه الأمر المقترن بالمشيئة ، والتعبير بالحل ، أو نفي التحريم ، أو الاستثناء من التحريم .

من له حق الإباحة :
الشارع :
8 – الأصل أن حق الإباحة للشارع وحده من غير توقف على إذن من أحد ، وقد تكون الإباحة مطلقة كالمباحات الأصلية ، وقد تكون مقيدة إما بشرط كما في قوله تعالى { أو ما ملكتم مفاتحه }  في شأن ما يباح أكله من ملك الغير من غير ضرورة ، أو مقيدة بوقت كإباحة أكل الميتة للمضطر

العباد :
9 – الإباحة من العباد لا بد فيها أن تكون على وجه لا يأباه الشرع ، وألا تكون على وجه التمليك ، وإلا كانت هبة أو إعارة .
وإذا كانت الإباحة من ولي الأمر فالمدار فيها – بعد الشرطين السابقين – أن تكون منوطة بالمصلحة العامة .
وهذه الإباحة قد تكون في واجب يسقط بها عنه ، كمن عليه كفارة ، واختار التكفير بالإطعام ، فإن الدعوة إلى تناوله إباحة تسقط عنه الكفارة ، إذ هو مخير فيها بين التمليك لمن يستحق ، وبين الإباحة .
وهذا عند بعض الفقهاء كالحنفية ، خلافا للشافعية ومن وافقهم الذين يرون أن الإطعام في الكفارة يجب فيه التمليك  . والإنسان يعرف إذن غيره إما بنفسه ، وإما بإخبار ثقة يقع في القلب صدقه . فلو قال مملوك مثلا : هذه هدية بعث بها إليك سيدي ، أو قال صبي : هذه هدية بعث بها إليك والدي ، قبل قولهما في حلها ؛ لأن الهدايا تبعث في العادة على أيدي هؤلاء  .

دليل الإباحة وأسبابها :
10 – قد يوجد فعل من الأفعال لم يدل الدليل السمعي على حكمه بخصوصه ، وذلك صادق بصورتين : الأولى عدم ورود دليل لهذا الفعل أصلا ، والثانية وروده ولكنه جهل . وأكثر الأفعال دل الدليل السمعي عليها وعرف حكمها ، وتفصيل ذلك فيما يلي :

أ – البقاء على الأصل :
11 – وهذا ما يعرف بالإباحة الأصلية ، وجمهور العلماء على أنه لا حرج على من تركه أو فعله . ويظهر أثر ذلك فيما كان قبل البعثة .
وهناك تفصيلات بين علماء الكلام في هذه المسألة يرجع إليها في الملحق الأصولي ، أو في كتب علم الكلام . وهذا الخلاف لا محصل له الآن بعد ورود البعثة ، إذ دل النص من كتاب الله على أن الأصل في الأشياء الإباحة . قال تعالى : { وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون }  .

ب – ما جهل حكمه :
12 – قد يكون الجهل مع وجود الدليل ، ولكن المكلف – مجتهدا أو غير مجتهد – لم يطلع عليه ، أو اطلع عليه المجتهد ولم يستطع استنباط الحكم .
والقاعدة في ذلك أن الجهل بالأحكام الشرعية إنما يكون عذرا إذا تعذر على المكلف الاطلاع على الدليل ، وكل من كان في إمكانه الاطلاع على الدليل وقصر في تحصيله لا يكون معذورا . ويفصل الفقهاء أحكام هذه المسألة في مواطنها .
ومن عذر بجهله فهو غير مخاطب بحكم الفعل ، فلا يوصف فعله بالإباحة بالمعنى الاصطلاحي الذي فيه خطاب بالتخيير . وإن كان الإثم مرفوعا عنه بعذر الجهل  .
وتفصل هذه الأحكام في مواطنها في بحث ( الجهل ) . وينظر في الملحق الأصولي .

طرق معرفة الإباحة :
13 – طرق معرفة الإباحة كثيرة ، من أهمها :

النص : وقد تقدم الكلام عليه تفصيلا .
بعض أسباب الرخص : والرخصة هي ما شرع لعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع ، مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه مع بقاء حكم الأصل . وذلك كالإفطار في رمضان في السفر ، والمسح على الخفين ، على تفصيل للفقهاء يرجع إليه في مواطنه .

النسخ : وهو رفع الحكم الشرعي بنص شرعي متأخر .
والذي يهمنا هنا هو نسخ الحظر بنص شرعي متأخر فيما كان مباحا قبل الحظر ، مثل جواز الانتباذ في الأوعية بعد حظره ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ” كنت نهيتكم عن الأوعية فانتبذوا واجتنبوا كل مسكر ”  فالأمر بالنبذ بعد النهي عنه يفيد رفع الحرج ، وهو معنى الإباحة .

العرف . والمختار في تعريفه أنه ما استقر في النفوس من جهة العقول ، وتلقته الطباع السليمة بالقبول  . وهو دليل كاشف إذا لم يوجد نص ولا إجماع على اعتباره أو إلغائه ، كالاستئجار بعوض مجهول لا يفضي إلى النزاع .

الاستصلاح ( المصلحة المرسلة ) :هي كل مصلحة غير معتبرة ولا ملغاة بنص من الشارع بخصوصها ، يكون في الأخذ بها جلب منفعة أو دفع ضرر، كمشاطرة عمر رضي الله عنه أموال الذين اتهمهم بالإثراء بسبب عملهم للدولة ، وهذا حتى يضع مبدأ للعمال ألا يستغلوا مراكزهم لصالح أنفسهم .

متعلق الإباحة :
14 – متعلق الإباحة اهتم به الفقهاء وتحدثوا عن أقسامه وفروعه ، فقسموه من حيث مصدر الإباحة إلى قسمين : ما أذن فيه الشارع ، وما أذن فيه العباد . ومن حيث نوع الإباحة إلى قسمين أيضا : ما فيه تملك واستهلاك وانتفاع ، وما فيه استهلاك وانتفاع دون تملك . ولكل قسم حكمه ، وبيانه فيما يأتي .

المأذون به من الشارع :
15 – المأذون به من الشارع ما ورد دليل على إباحته من نص أو من مصدر من مصادر التشريع الأخرى . والحديث هنا سيكون عن المأذون فيه إذنا عاما لا يختص ببعض الأفراد دون بعضهم الآخر .
وفي ذلك مطلبان : مطلب للمأذون فيه على وجه التملك والاستهلاك ، وهو المسمى عند الفقهاء بالمال المباح ، ومطلب للمأذون فيه على وجه الانتفاع فقط ، وهو المسمى بالمنافع العامة .

المطلب الأول
 ما أذن فيه الشارع على وجه التملك والاستهلاك
 16 – المال المباح هو كل ما خلقه الله لينتفع به الناس على وجه معتاد ، وليس في حيازة أحد ، مع إمكان حيازته ، ولكل إنسان حق تملكه ، سواء أكان حيوانا أم نباتا أم جمادا . والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم . ” من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له ”  . وهذا التملك لا يستقر إلا عند الاستيلاء الحقيقي ، الذي ضبطوه بوضع اليد على الشيء المباح ، أي الاستيلاء الفعلي ، أو كونه في متناول اليد ، وهو الاستيلاء بالقوة . وقد قال العلماء : إن هذا الاستيلاء بإحدى صورتيه لا يحتاج إلى نية وقصد في استقرار الملكية ، كما قالوا : إن الاستيلاء بوساطة آلة وحرفة ومهارة يحتاج إلى القصد ليكون استيلاء حقيقيا ، وإلا كان استيلاء حكميا . جاء في الفتاوى الهندية فيمن علق كوزه ، أو وضعه في سطحه ، فأمطر السحاب وامتلأ الكوز من المطر ، فأخذه إنسان ، فالحكم هو استرداد الكوز ؛ لأنه ملك صاحبه ، وأما الماء فإن كان صاحب الكوز قد وضعه من أجل جمع الماء فيسترد الماء أيضا ، لأن ملكه حقيقي حينئذ ، فإن لم يضعه لذلك لم يسترده  .
ومن أمثلة الأموال المباحة الماء والكلأ والنار والموات والركاز والمعادن والحيوانات غير المملوكة . ولكل أحكامه

المطلب الثاني
ما أذن فيه الشارع على وجه الانتفاع
 17 – وهو ما يسمى بالمنافع العامة ، التي جعل الله إباحتها تيسيرا على عباده ، ليتقربوا إليه فيها ، أو ليمارسوا أعمالهم في الحياة مستعينين بها ، كالمساجد ، والطرق . ويرجع لمعرفة تفصيل أحكامهما إلى مصطلحيهما .
المأذون فيه من العباد

18 – إباحة العباد كذلك على نوعين : نوع يكون التسليط فيه على العين لاستهلاكها ، ونوع يكون التسليط فيه على العين للانتفاع بها فقط .

إباحة الاستهلاك :
19 – لهذه الإباحة جزئيات كثيرة نكتفي منها بما يأتي :
أ – الولائم بمناسباتها المتعددة والمباح فيها الأكل والشرب دون الأخذ .

ب – الضيافة . ويرجع في تفصيل أحكامهما إلى مصطلحيهما .

إباحة الانتفاع :
20 – هذا النوع من الإباحة قد يكون مع ملك الآذن لعين ما أذن الانتفاع به كإذن مالك الدابة أو السيارة لغيره بركوبها ، وإذن مالك الكتب للاطلاع عليها . وقد يكون الإذن فيما لا يملك عينه ، ولكن يملك منفعته بمثل الإجارة أو الإعارة ، إن لم يشترط فيهما أن يكون الانتفاع شخصيا للمستأجر والمستعير .

تقسيمات الإباحة :
21 – للإباحة تقسيمات شتى باعتبارات مختلفة ، وقد تقدم أكثرها . وبقي الكلام عن تقسيمها من حيث مصدرها ومن حيث الكلية والجزئية :

أ – تقسيمها من حيث مصدرها :
22 – تقسم بهذا الاعتبار إلى

إباحة أصلية ،
بألا يرد فيها نص من الشارع ، وبقيت على الأصل ، وقد سبق بيانها .

وإباحة شرعية :
بمعنى ورود نص من الشارع بالتخيير ، وذلك إما ابتداء كإباحة الأكل والشرب ، وإما بعد حكم سابق مخالف ، كما في النسخ أو الرخص ، وقد سبق .
على أنه مما ينبغي ملاحظته أنه بعد ورود الشرع أصبحت الإباحة الأصلية إباحة شرعية لقول الله تعالى { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا }  وقوله : { وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه }
فإن هذا النص يدل على أن كل ما خلقه الله يكون مباحا إلا ما ورد دليل يثبت له حكما آخر ، على خلاف وتفصيل يرجع إليه في الملحق الأصولي  .
وقد يكون مصدر الإباحة إذن العباد بعضهم لبعض على ما سبق  .

ب – تقسيمها باعتبار الكلية والجزئية :
23 – تنقسم أربعة أقسام :

1 – إباحة للجزء مع طلب الكل على جهة الوجوب ، كالأكل مثلا ، فيباح أكل نوع وترك آخر مما أذن به الشرع ، ولكن الامتناع عن الأكل جملة حرام لما يترتب عليه من الهلاك .

2 – إباحة للجزء مع طلب الكل على جهة الندب ، كالتمتع بما فوق الحاجة من طيبات الأكل والشرب ، فذلك مباح يجوز تركه في بعض الأحيان ، ولكن هذا التمتع مندوب إليه باعتبار الكل ، على معنى أن تركه جملة يخالف ما ندب إليه الشرع من التحدث بنعمة الله والتوسعة ، كما في حديث ” إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ”  وكما قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم  .

3 – إباحة للجزء مع التحريم باعتبار الكل ، كالمباحات التي تقدح المداومة عليها في العدالة ، كاعتياد الحلف ، وشتم الأولاد ، فذلك مباح في الأصل ، لكنه محرم بالاعتياد .

4 – إباحة للجزء مع الكراهة باعتبار الكل ، كاللعب المباح ، فإن ذلك وإن كان مباحا بالأصل إلا أن المداومة عليه مكروهة .

آثار الإباحة :
24 – إذا ثبتت الإباحة ثبت لها من الآثار ما يلي :

1 – رفع الإثم والحرج .
وذلك ما يدل عليه تعريف الإباحة بأنه لا يترتب على الفعل المباح إثم .

2 – التمكين من التملك المستقر بالنسبة للعين ، والاختصاص بالنسبة للمنفعة :
وذلك لأن الإباحة طريق لتملك العين المباحة . هذا بالنسبة للعين . أما بالنسبة للمنفعة المباحة فإن أثر الإباحة فيها اختصاص المباح له بالانتفاع ، وعبارات الفقهاء في المذاهب المختلفة تتفق في أن تصرف المأذون له في طعام الوليمة قبل وضعه في فمه لا يجوز بغير الأكل ، إلا إذا أذن له صاحب الوليمة أو دل عليه عرف أو قرينة . وبهذا تفارق الإباحة الهبة والصدقة بأن فيهما تمليكا ، كما أنها تفارق الوصية حيث تكون هذه مضافة إلى ما بعد الموت ، ولا بد فيها من إذن الدائنين والورثة أحيانا ، كما لا بد من صيغة في الوصية  .

25 – هذه هي آثار الإباحة للأعيان في إذن العباد . أما آثار الإباحة للمنافع فإن إباحتها لا تفيد إلا حل الانتفاع فقط ، على ما تقدم تفصيله . فحق الانتفاع المجرد من قبيل الترخيص بالانتفاع الشخصي دون الامتلاك ، وملك المنفعة فيه اختصاص حاجز لحق المستأجر من منافع المؤجر ، فهو أقوى وأشمل ؛ لأن فيه حق الانتفاع وزيادة . وآثار ذلك قد تقدم الكلام عليها .

الإباحة والضمان :
26 – الإباحة لا تنافي الضمان في الجملة ؛ لأن إباحة الله – وإن كان فيها رفع الحرج والإثم – إلا أنها قد يكون معها ضمان ، فإباحة الانتفاع تقتضي صيانة العين المباحة عن التخريب والضرر ، وما حدث من ذلك لا بد من ضمانه . وإباحة الأعيان كأخذ المضطر طعام غيره لا تمنع ضمان قيمته إذا كان بغير إذنه ؛ لأن الله جعل للعبد حقا في ملكه ، فلا ينقل الملك منه إلى غيره إلا برضاه ، ولا يصح الإبراء منه إلا بإسقاطه ، كما يقول القرافي في الفروق  .
وحكى القرافي في هذه المسألة قولين : أحدهما : لا يضمن ؛ لأن الدفع كان واجبا على المالك ، والواجب لا يؤخذ له عوض .
والقول الثاني : يجب ، وهو الأظهر والأشهر ؛ لأن إذن المالك لم يوجد ، وإنما وجد إذن صاحب الشرع ، وهو لا يوجب سقوط الضمان ، وإنما ينفي الإثم والمؤاخذة بالعقاب .
أما إباحة العباد بعضهم لبعض فقد تقدم الكلام عليها مفصلا .

ما تنتهي به الإباحة :
27 – أولا : إباحة الله سبحانه لا تنتهي من جهته هو ؛ لأنه سبحانه حي باق ، والوحي قد انقطع ، فلا وحي بعد محمد صلى الله عليه وسلم وإنما تنتهي بانتهاء دواعيها ، كما في الرخص ، فإذا وجد السفر في نهار رمضان مثلا وجدت الإباحة بالترخيص في الفطر ، فإذا انتهى السفر انتهت الرخصة .
28 – ثانيا : وإباحة العباد تنتهي بأمور :
أ – انتهاء مدتها إن كانت مقيدة بزمن ، فالمؤمنون عند شروطهم ، وإذا فقد الشرط فقد المشروط .

ب – رجوع الآذن في إذنه ، حيث إنه ليس واجبا عليه ، فهو تبرع منه ، كما قال جمهور العلماء . وهي لا تنتهي بمجرد الرجوع ، بل لا بد من علم المأذون له به ، كما هو مقتضى قواعد الحنفية ، وهو قول للشافعي .

وذكر السيوطي في الأشباه والنظائر  قولا آخر للشافعي ، يفيد أن الإباحة تنتهي بمجرد رجوع الآذن ، ولو لم يعلم المأذون له .

ج – موت الآذن ؛ لبطلان الإذن بموته ، فتنتهي آثاره .

د – موت المأذون له ؛ لأن حق الانتفاع رخصة شخصية له لا تنتقل إلى ورثته إلا إذا نص الآذن على خلافه .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s