يمانيون: الامام العلامة المجتهد صالح بن المهدي المقبلي صاحب المنار

Posted: 27 فبراير 2012 in كتاب قرأته, مقالات إسلامية, مقالات تاريخية, مواضيع عامة, يمانيون, شخصيات وتراجم

هو صالح بن مهدى بن على بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن عبد الله ابن سليمان بن أسعد بن منصور المقبلى ثم الصنعانى ثم المكى (كما جاء في البدر الطالع للإمام الشوكاني) ولد في سنة 1047 سبع وأربعين وألف فى قرية المقبل من أعمال بلاد كوكبان.
وأخذ العلم عن جماعة من أكابر علماء اليمن منهم السيد العلامة محمد بن ابراهيم بن المفضل كان ينزل للقراءة عليه من مدينة ثلا إلى شبام كل يوم وبه تخرج وانتفع ثم دخل بعد ذلك صنعاء وجرت بينه وبين علمائها مناظرات أوجبت المنافرة لما فيه من الحدة والتصميم على ما تقتضيه الادلة وعدم الالتفات إلى
التقليد ثم ارتحل إلى مكة ووقعت له امتحانات هنالك واستقر بها حتى مات فى سنة 1108 ثمان واحدى عشرة مائة كتبت مولده فيما علق بذهنى من كتبه فانه ذكر فيها ما يفيد ذلك

وهو ممن برع فى جميع علوم الكتاب والسنة وحقق الاصولين والعربية والمعانى والبيان والحديث والتفسير وفاق فى جميع ذلك وله مؤلفات مقبوله كلها عند العلماء محبوبة اليهم متنافسون فيها ويحتجون بترجيحاته وهو حقيق بذلك وفي عباراته قوة وفصاحة وسلاسة تعشقها الأسماع وتلتذ بها القلوب ولكلامه وقع في الاذهان قل أن يمعن فى مطالعته من له فهم فيبقى على التقليد بعد ذلك وإذا رأي كلاما متهافتا زيفه ومزقه بعبارة عذبة حلوة وقد أكثر الحط على المعتزلة في بعض المسائل الكلامية وعلى الاشعرية في بعض اخر وعلى الصوفية فى غالب مسائلهم وعلى الفقهاء فى كثير من تفريعاتهم وعلى المحدثين في بعض غلوهم ولا يبالى إذا تمسك بالدليل بمن يخالفه كائنا من كان

من مؤلفاته الفائقة:
حاشية البحر الزخار للامام المهدى المسماة بالمنار سلك فيها مسلك الانصاف ومع ذلك فهو بشر يخطىء ويصيب ولكن قد قيد نفسه بالدليل لا بالقال والقيل ومن كان كذلك فهو المجتهد الذي إذا أصاب كان له أجران وان أخطأ كان له أجر (المجلد1 المجلد2 )

ومنها العلم الشامخ اعترض فيه على علماء الكلام والصوفية ومنها فى الاصول نجاح الطالب على مختصر ابن الحاجب جعله حاشية عليه ذكر فيها ما يختاره من المسائل الأصولية  ( الكتاب )

ومنها في التفسير الاتحاف لطلبة الكشاف انتقد فيه على الزمخشرى كثيرا من المباحث وذكر ما هو الراجح لديه

ومنها الأرواح النوافخ والأبحاث المسددة جمع مباحث تفسيرية وحديثية وفقهية واصولية

ولما وقفت عليه فى أيام الطلب كتبت فيه أبياتا وأشرت فيها إلى سائر مؤلفاته وهى
( لله در المقبلى فانه *** بحر خضم جان بالانصاف )
( أبحاثه قد سددت سهما إلى *** نحر التعصب مرهف الأطراف )
( ومناره علم النجاح لطالب *** مذ روح الأرواح بالاتحاف )

وقد كان الزم نفسه السلوك مسلك الصحابة وعدم التعويل على تقليد أهل العلم فى جميع الفنون ولما سكن مكة وقف عالمها البرزنجى محمد ابن عبد الرسول المدنى على العلم الشامخ في الرد على الآباء والمشايخ فكتب عليه اعتراضات فرد عليه بمؤلف سماه الأرواح النوافخ فكان ذلك سبب الانكار عليه من علماء مكة ونسبوه إلى الزندقة بسبب عدم التقليد والاعتراض على أسلافهم ثم رفعوا الأمر الى سلطان الروم فأرسل بعض علماء حضرته لاختباره فلم يرمنه الا الجميل

وسلك مسلكه وأخذ عنه بعض أهل داغستان ونقلوا بعض مؤلفاته وقد وصل بعض العلماء من تلك الجهة إلى صنعاء وكان له معرفة بأنواع من العلم فلقيته بمدرسة الامام شرف الدين بصنعاء فسألته عن سبب ارتحاله من دياره هل هو قضاء فريضة الحج فقال لى بلسان في غاية الفصاحة والطلاقة انه لم يكن مستطيعا وإنما خرج لطلب البحر الزخار للامام المهدى أحمد بن يحيى لأن لديهم حاشية المنار للمقبلى وقد ولع بمباحثها أعيان علماء جهاتهم داغستان وهى خلف الروم بشهر حسبما أخبرنى بذلك قال وفى حال مطالعتهم واشتغالهم بتلك الحاشية يلتبس عليهم بعض ابحاثها لكونها معلقة على الكتاب الذي هى حاشية له وهو البحر فتجرد المذكور لطلب نسخة البحر ووصل إلى مكة فسأل عنه فلم يظفر بخبره عند أحد فلقى هنالك السيد العلامة ابراهيم بن محمد بن اسماعيل الأمير فعرفه أن كتاب البحر موجود فى صنعاء عند كثير من علمائها قال فوصلت الى هنا لذلك ورأيته فى اليوم الثانى وهو مكب فى المدرسة على نسخة من البحر يطالعها مطالعة من له كمال رغبة وقد سر بذلك غاية السرور وما رأيت مثله فى حسن التعبير واستعمال خالص اللغة وتحاشى اللحن فى مخاطبته وحسن النغمة عند الكلام فانى أدركت لسماع كلامه من الطرب والنشاط ما علانى معه قشعريرة ولكنه رحمه الله ماتبعد وصوله الى صنعاء بمدة يسيرة ولم يكتب الله له الرجوع بالكتاب المطلوب الى وطنه والمترجم له مع اتساع دائرته في العلوم ليس له التفات الى اصطلاحات المحدثين في الحديث ولكنه يعمل بما حصل له عنده ظن صحته كما هو المعتبر عند أهل الأصول مع انه لا ينقل الاحاديث إلا من كتبها المعتبرة كالامهات وما يلتحق بها واذا وجد الحديث قد خرج من طرق وان كان فيها من الوهن مالا ينتهض معه للاحتجاج ولا يبلغ به الى رتبة الحسن لغيره عمل به وكذلك يعمل بما كانت له علل حفيفية فينبغى للطالب أن يتثبت فى مثل هذه المواطن وقد ذكر فى مؤلفاته من أشعاره ولكنها سافلة بخلاف نثرة فانه في الذروة ومن أحسن شعره أبياته التى يقول فيها
( قبح الاله مفرقا *** بين القرابة والصحابة )
وقد أجاب عليه بعض جارودية اليمن بجواب أقذع فيه وأوله
( أطرق كرا يا مقبلى *** فلأنت أحقر من ذبابة )
ثم هجاه بعض الجارودية فقال
( المقبلى ناصبى *** أعمى الشقاء بصره )
وبعده بيت أقذع فيه وهكذا شأن غالب أهل اليمن مع علمائهم ولعل ذلك لما يريده الله لهم من توفير الأجر الأخروي وكان ينكر ما يدعيه الصوفية من الكشف فمرضت ابنته زينب فى بيته من مكة وكان ملاصقا للحرم فكانت تخبره وهى من وراء جدار بما فعل فى الحرم وكان يغلق عليها مرارا وتذكر أنها تشاهد كذا وكذا فيخرج الى الحرم فيجد ما قالت حقا وذكر رحمه الله فى بعض مؤلفاته أنه أخذ في مكة على الشيخ ابراهيم الكردى
(البدر الطالع).

يقول العلامة صالح بن المهدي المقبلي اليمني ، في كتابه العلم الشامخ في تفضيل  الحق على الآباء والمشايخ:

(واعلم أن من أشد الخلاف ظلالا وأعمه بلاء وأدقه ممسكا وأكثره هلكه ومعتركا  ،أنه تزهد جماعة من الصحابة –رضي الله عنهم – برفض الدنيا فقط تابعين لنصيحة الله  وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،مع كونهم من آحاد عصابة المسلمين وماتوا  طيبين ،ثم نشأ بعدهم زهاد كذلك لكنهم قالوا :لا سلامة إلا بالعزلة عن الناس ،هربا  من الفتن وصيانة للقلوب من العوارض ،ومضوا لسبيلهم ،وقد صوروا صورة العزلة وليست  مطلق العزلة وليست مطلق العزلة ببدعة إن لم تشابه الرهبانية المنهي عنها ،ولكن  ماجاوز حده جانس ضده ،ثم صار مسلكا متميزا ،حتى قيل :صوفيه ،وصار اسم مدح قد تقصده  بعض النفوس ،ثم أثارت لهم تلك الخلوات مواعظ وكلمات أسرع في جذب القلوب من خطاطيف  الحديد ،ثم اخترعت طرائق السلوك ،واصطلحت اصطلاحات ،وابتدعت رموزا وإشارات ،ثم  قالوا :هاهنا شريعة وطريقة ،ورسوم وحقيقة ،وتفسير وتأويل ،وظاهر وباطن ،ثم ترأس قوم  في هذا المعنى وابتلوا بحظ في الوعظ شهرهم

ثم ظهر منهم كلمات ودعاوى قال قائلهم:

خضت بحرا وقف الأنبياء بساحله.

أسرجت وألجمت.

وطفت في أقطار البسيطة  ثم ناديت ،هل من مبارز؟! فلم يخرج إلي أحد.

رجلي على رقبة كل ولي.

لو  تحركت نملة سوداء فوق صخرة صماء في ليلة ظلماء في أقصى الصين ،ولم أسمعها لقلت: إني  مخدوع.

ما  الجنة هل هي إلا لعبة صبيان ؟

سبحاني.

إلى طامات لا تحصى ،الأخرى أكبر من الأولى ،يزداد الهول في كل قرن إلى أن  انتهى الشأن إلى ابن الفارض وابن سبعين وأضرا بهم لم يقنعوا بتلك الدعاوى الشنيعة

ولا ساغ لهم احترام الشريعة وهذه كتبهم (الفتوحات) و(الإنسان الكامل ) و(الفصوص ) وأشعار ابن الفارض التائية والخمريات وغير ذلك )  456

ثم  يقول –رحمه الله-:

(وهب أنك رجل حسن الظن بهم أو تظن أنك متورع ،زن حال هؤلاء بميزان الصحابة –رضي  الله عنهم- فما وجدته من أخلاق الصحابة فأبقه عليهم ،وما لم يكن من أخلاقهم فاعلم  أنه ظلالة إن كنت قد استيقنت اصابة الصحابة ،وإلا فقد زللت بأول قدم وجف في شقاوتك  القلم )457

ثم  يقول -رحمه الله-: (ولما من الله علينا بالمجاورة في مكة  المشرفة وجدنا الأمر فيها  هو شطر الدين ،بل هو الدين كله ،فإنك إنما ترى وتسمع الرقص والتغريد بالأصوات في  الصوامع وجوانب المسجد ،وأما رباط عبد القادر ومشهد العيدروس واجتماع الإخوان فأمر  عجيب ،ولقد مكثت مدة أظن أن الذي أسمع في هذه المواطن لهو لكثر اللهو وعمومه  للأحوال والأشخاص حلاله وحرامه عند علمائهم وجهالهم ،فصبيانهم في العقل مثل شيوخهم  حتى نبهتني بعض الجواري وقالوا ما تفرق بين الذكر واللعب

وذلك أنهم يسيرون مع أنا مخصوصين من بيوت الصوفية من ذوي الرياسة جماعة جماعة  بالطار والغناء في المسجد الحرام إلى مولد النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المولد  الذي جعله عيداأعم من البدع فشوا ،وكان الصحابة –رضي الله عنهم- أشد فرحا بما من  ألله عليهم من وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم،ولم يجعلوا ذلك عيدا لأنه لم  يشرعه لهم وهم واقفون على الحد ) 468

باختصار يسير من كتاب العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ.

ومن خاتمة كتاب “الشيخ صالح المقبلي حياته وفكره” – أحمد عبدالعزيز أحمد المليكي أنقل لكم التالي:

بعد هذا التجوال في عصر المقبلي وحياته وآثاره وفكره – يمكن إجمال أهم النتائج التي تم التوصل إليها فيما يأتي:

1- كانت اليمن في عصر المقبلي عامرة بـ (هجر) العلم ورباطاته ومعاقله، وشهدت استقراراً سياسياً ورخاء اقتصادياً نِسْبِيين، وازدهاراً ثقافياً كبيراً.

2- كانت مكة المكرمة في ذلك العصر غير مستقرة في الغالب سياسياً، وشهدت استقراراً اقتصادياً نسبياً، وازدهاراً ثقافياً كبيراً, أسهم فيه كثير من العلماء سواء كانوا من أهل مكة الأصليين أو المجاورين بها من غيرهم.

3- ولد الشيخ المقبلي في سنة 1040هـ/ 1630م على أرجح الأقوال، ونشأ نشأة صالحة، وعاش ورعاً تقياً متنسكاً زاهداً متواضعاً، وتيسر له طلب العلم على أيدي ثلة من العلماء الأعلام، وحصل كثيراً من العلوم، وبرز فيها.

4- هاجر من اليمن إلى مكة المكرمة في سنة 1080هـ/ 1669م، واستقر هنالك حتى وافته المنية في سنة 1108هـ/ 1696م.

5- تتلمذ عليه تلاميذ كثيرون في اليمن ومكة، وتجاوز تأثيره هذين القطرين إلى أقطار نائية في العالم كـ (داغستان) وغيرها، وظل ذلك التأثير حتى هذا القرن.

6- تعرض لإيذاء وكيد شديدين من المقلدين والمتعصبين في اليمن ومكة، فصبر واحتسب، وواصل جهاده في الإصلاح والتغيير بحسب استطاعته دون أن يعبأ بما لحق به.

7- حمل هموم عصره وعاش واقع مجتمعه بما فيه من صراع فكري ومذهبي، فكانت مؤلفاته وأبحاثه مرآة لذينك العصر والمجتمع، وصورة للقضايا والمشكلات التي كانت مستأثرة باهتمام الناس آنذاك، ودلت تلك المؤلفات والأبحاث على سمو مكانته العلمية، ودقة أنظاره، وعمق أفكاره، وموضوعية تحليلاته، ورحابة آفاقه، وغزارة ثقافته، وسعة إطلاعه.

8- ترك التمذهب ونفر منه، ونفر غيره عنه، فلم يتقيد بمذهب مخصوص لا في الأصول ولا في الفروع، وكان في الفروع أكثر استقلالاً منه في الأصول التي بدا تأثره في بعض مسائلها بالمعتزلة – واضحا.

9- دعا إلى العودة بالإسلام إلى أصوله الأولى وما كان عليه في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم والسلف الصالح رحمهم الله تعالى، قبل ظهور الخلاف والفرق، بعيداً عن الغلو والتشدد والفهوم الخاطئة والأوضاع الفاسدة، وحث على تنقيته مما علق به من البدع والضلالات والخرافات والتقاليد والعادات الراكدة والوافدة.

10- ناقش مقالات الفرق والمذاهب الإسلامية، وكشف عما أصاب بعض أفكارها من انحرافات، وذهب إلى أنه ليس الحق عند فرقة معينة, أو مذهب معين, والباطل عند الباقين، بل عندَ كلٍ حق وباطل، وصواب وخطأ، وسنة وبدعة، وإن اختلف ذلك قلة وكثرة وصغراً وكبراً، ولكن الحق لم يخرج عن مجموعهم – والحمد لله – فعند كلهم كل الحق، وهم – إن شاء الله – إلى خير، إذا حسنت نياتهم وسلمت مقاصدهم؛ ودعا إلى العدل والإنصاف في تقويم هذه الفرق والمذاهب، والرجوع في ذلك إلى مصنفاتها، وعدم الاعتماد على نقول الخصوم والأجانب.

11- دعا إلى فتح باب الاجتهاد، وترك التقليد إلا فيما دعت الضرورة إليه، ونبذ الجمود، ووأد التعصب المذهبي، والتسليم للدليل، فإن لم يستبن، لزم الرجوع إلى أهل العلم ووضعهم موضع الأمارة على الحق، والأخذ من كل قول أحسنه، واقتفاء ما يعتقد أنه الأقرب إلى الصواب دون انتساب إلى عالم معين.

12- ودعا أيضا إلى الفهم الحيوي والواقعي للإسلام، وترك الإفراط والتفريط في قصد الأمور، وتمثل مفهوم الوسطية واليسر في الدين، والاهتمام بما تعبدنا الشارع وكلفنا به وترك ما لا يعنينا.

13- ندد بما تفعله بعض الفرق الإسلامية من تكفير مخالفيهم بالإلزام أو التأويل أو نحوهما، أو تكفير العامة لغلطهم في بعض المسائل العقدية الدقيقة, أو لغفلتهم عنها؛ وأكد على عدم جواز تكفير المسلم إلا بقاطع، وأنه لا يكفي في ذلك الظن بله الوهم والخيال.

14- سلط الأضواء على خطر الخلاف، وبين أسبابه ومسبباته، وأرشد إلى سبيل النجاة منه، وعاب على الفرق الإسلامية تعدادهم الفرق ليبلغوا بها ثلاثا وسبعين فرقة بحسب ما جاء في الحديث النبوي، وحكم كل منهم لنفسه ومن وافقه بأنه الفرقة الناجية، ورفض الحكم على فرقة إسلامية معينة بالهلاك أو بأنها الفرقة الناجية، بل وسع مفهوم الفرقة الناجية حتى شمل كل المُعْتَزِين إلى جملة الإسلام ظاهراً أو بحسب التحقيق اجتهاداً أو تقليداً، وهم الجماعة والسواد الأعظم، وأما المبتدعة فنزر قليل بالنسبة إليهم.

15- وقف مواقف شديدة من الفلسفة والفلاسفة وعلم المنطق، وعلم الكلام والمتكلمين، والتصوف والمتصوفة لاسيما الغلاة، إلا أن بعض هذه المواقف يبدو معتدلاً إلى حد ما إذا ما قورن بمواقف علماء آخرين من هذه العلوم وأهلها، ونظر إليه في سياق الظروف التاريخية التي شهدها المقبلي، والصراع الفكري والمذهبي الذي عاشه وتفاعل معه.

16- أحسن تقدير العقل، فوضعه في موضعه الطبيعي، ووقف منه موقفاً وسطا بين الإفراط والتفريط، فلم يبخسه مكانته التي رفعه الله إليها، ولا جاوز به الحد الذي حده له.

17- حظيت مسألة التحسين والتقبيح العقليين ومسألة الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى ومسألة الفعل الإنساني – بنصيب وافر من اهتمامه، وقد أثبت التحسين والتقبيح والحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى وأحكامه، وأثبت للإنسان في فعله قدرة مؤثرة فيه وإرادة له وعلماً به وباعثاً عليه.

18- أكد على أهمية الإمامة الكبرى، وذهب إلى أن السعي لنصب الإمام أو الخليفة كسائر التكاليف الشرعية المأمور بها، ورفض كثيراً من الشروط التي اشترطت في الإمام أو الخليفة؛ ورأى أن العبرة فيه بما يقوم به المقصود وهو تقويم أمر العامة دون منصب خاص أو شرط لا يعود على ما ذكر.

19- اهتم بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحض على القيام به بشروطه، ومارسه في حياته العملية وفق ضوابطه الشرعية.

20- حض على الالتزام بالضوابط الشرعية في مسألة الخروج على أهل الجور والفسق من الأئمة والأمراء, والصبر عليهم ما لم ير كفر بواح فيه من الله برهان، ومحاذرة الفُرْقَة والخلاف، وتحقيق الائتلاف بين المسلمين ما وجد إليه مدخل، وتقديم مصلحة الإسلام العامة على ما سواها.

21- حث على مخالطة العلماء للحكام والأمراء إذا انضبطت بالضوابط الشرعية وكانت تتسبب في حصول مصلحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخَلُصَتْ تلك المصلحة عن المفسدة، فإن لم تنضبط تلك المخالطة بالضوابط الشرعية, أو عارض المصلحة التي تسببت في حصولها مفسدة، أو تولد عن تلك المصلحة مفسدة أخرى أعظم – حَرُمَتْ، وقد راعى المقبلي تلك الضوابط والشروط في مخالطته للحكام والأمراء على نحو ما مضى بيانه.

22- اتسمت مواقفه من القضايا السياسية التي ناقشها بالاعتدال والتوازن والواقعية إلى حد كبير؛ لخطورة تلك القضايا، ولما يترتب عليها من آثار جسيمة في حاضر الأمة ومستقبلها.

23- ظهر بالاستقراء أن الجهود التي بذلها المقبلي في الإصلاح والتجديد والتغيير كانت بفعل مؤثرات داخلية تمثلت في الأوضاع التي كان يعيشها المجتمع الإسلامي آنذاك من الضعف والجمود والتقليد التعصب الطائفي والمذهبي عقديا وفقهيا؛ إذ آمن بضرورة السعي الدؤوب المخلص لإصلاح تلك الأوضاع وتغييرها نحو الأفضل، حتى تنهض الأمة المسلمة، وتستعيد مجدها الغابر وعزها السليب، وتقوم بمهمة الاستخلاف، وتؤدي الدور الحضاري المنوط بها بين الأمم على أتم وجه.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s