يمانيون: فخر اليمن الإمام العلامة إبن الوزير رحمه الله

Posted: 5 فبراير 2012 in مقالات إسلامية, مقالات تاريخية, يمانيون, شخصيات وتراجم

إن علماً كإبن الوزير –رحمه الله- لم يستوف حقّه من الدراسة الواعية الشاملة لجوانب حياته وآثاره!! تلك الدراسة القائمة على السّبر والاستقصاء والتتبّع. هذا رغم مالهذا الإمام من أهمية عظمى في التغيّرات الفكرية والعقدية في اليمن, فإنه وقف بقوّة وصلابة أمام الامتداد الزّيدي المعتزليّ, ناقضاً لمبانيه, داحضاً لشبهاته ومباغيه.

وتكمن أهميّة دراسة هذه الشخصيّة في جانبين:

أولهما: في تلك الثروة العلمية التي خلّفها, حيث جمع بين العلوم النقلية, والعلوم العقلية –وقلّما يجتمعان-!!

أما العلوم النقليّة فهذا الفنّ هو الذي أعجز الخصوم, إذ لا عناية بهم به, بل هم من أبعد الفرق عن الاعتناء بعلوم الحديث تدريساً وتصنيفاً, وقد اعترفوا له بذلك. فقد ((حُكي عن السيد العلامة شمس الدين أحمد بن محمد الأزرقي أنّه قال: لا يبلغ أحد في زماننا هذا من الاجتهاد ما بلغ إليه السيّد عز الدين محمد بن إبراهيم, وقد أحسنّا كل شيء إلا ما بلغ إليه, فلم نقدر عليه, لتمكّنه من معرفة الحديث ورجاله, وتبحّره في السمعيات)) .

وهو كما قال, فقد وصفه بالحفظ جماعة من العلماء واعترفوا له بذلك كالنفيس العلوي (شيخه), والهادي الوزير, والصنعاني, والشوكاني. والناظر في كتبه يجده واسع الحفظ, غزير الإطلاع, فهو يسرد في المسألة الواحدة أزيد من مئتي حديث مستحضراً لتراجم الرواة, وما قيل فيهم, وله اختيارات وترجيحات وعبارات تدلّ على تمكنه من هذا الفنّ, وله كلام على دقائق علوم الاصطلاح, والجرح والتعديل , وهو بكتب الحافظ الذهبي أشدّ عناية, بل يكاد يستظهرها خصوصاً ((النبلاء)) و ((الميزان)) .

أما العلوم العقليّة فقد بلغ منها الذروة العليا, بل هو جذيلها المحكّك, وعذيقها المرجّب, ((شهد له بذلك جميع أهل الزّمان, من الأقارب والأباعد, والمخالف له في الاعتقاد والمساعد)) .

ولا عجب –أيضاً- لأن هذه الفنون هي التي أفنى فيها ابن الوزير عنفوان شبابه, وزهرة أيّامه, إلا أنه لم يقف منها موقف العاجز المسلّم, بل فحص وحقّق, وبحث ودقّق, حتى اتضحت له مناهج الصوب فسلكها, وانكشفت له سبل الباطل فزيّفها وردّها , وذلك بعد رجوعه إلى الكتاب والسنة, فقد وجد فيهما الشّفاء كلّه: دقّه وجلّه.

قال ابن الوزير –رحمه الله-: ((فإني ما زلت مشغوفاً بدرك الحقائق, مشغولاً بطلب المعارف, مؤثراً الطلب لملازمة الأكابر, ومطالعة الدفاتر, والبحث عن حقائق مذاهب المخالفين, والتفتيش عن تلخيص أعذار الغالطين, محسّناً في ذلك للنيّة, متحريّاً فيه لطريق السويّة, متضرّعاً إلى الله تضرّع مضطر محتار, غريق في بحار الأنظار, طريح في مهاوي الأفكار, قد وهبت أيام شبابي ولذّاتي, وزمان اكتسابي ونشاطي, لكدورة علم الكلام والجدال, والنظر في مقالات أهل الضلال, حتى عرفت صحّة قول من قال:

لقد طفت في تلك الـمعالم كلها وسـيّرت طرفي بين تلك المعالم

فلم أر إلا واضـــعاً كفّ حائر على ذقن أو قارعاً سنّ نادم

وسبب إيثاري لذلك, وســلوكي تلك المســالك: أنّ أول ما قرع سمعي, ورسخ في طبعي: وجوب النّظر, والقول بأنّ من قلد في الاعتقاد فقد كفر, فاستغرقت في ذلك حدّة نظري, وباكورة عمري, وما زلت أرى كلّ فرقة من المتكلمين تداوي أقوالاً مريضة, وتقوّي أجنحة مهيضة, فلم أحصل على طائل, وتمثلت بقول القائل:

كــــلٌّ يداوي سقيماً من مقالته فـمـن لـنـا بصحيح ما به سقم

فرجعت إلى كتاب الله, وسنة رسول الله , وقلت: لا بدّ أن يكون فيها براهين وردود على مخالفي الإسلام, وتعليم وإرشاد لمن اتبع الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام. فتدبّرت ذلك, فوجدت الشّفاء كلّه, دقّه وجلّه, وانشرح صدري, وصلح أمري, وزال ما كنت به مبتلى, وأنشدت متمثلاً: فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى كما قرّ عيناً بالإياب المسافر)) ا هـ.

وثانيهما: تلك المدرسة الممتدّة للفكر الإصلاحي الذي اختطه ابن الوزير –رحمه الله- في تلك المنطقة, متمثلاً ذلك المنهج في نخبة من العلماء, لهم مواقف مسطورة, على تفاوت بينهم فمن مقلّ ومستكثر, ومنهم:

-القاضي محمد بن محمد بن داود النهمي, رفيق ابن الوزير في الطلب.

-الحسن بن أحمد بن محمد بن علي بن صلاح الجلال (1084هـ).

-محمد بن علي بن قيس (1096هـ).

-يحيى بن الحسين بن القاسم (1100هـ).

-صالح بن مهدي المقبلي (1108هـ).

-محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (1182هـ), وهو وارث علوم ابن الوزير, وشارح كتبه .

-محمد بن علي الشوكاني (1250هـ).

-محمد بن عبد الملك الآنسيّ (1316هـ).

-أحمد بن عبد الله الجنداري (1337هـ).

-عبد الله بن محمد العيزري (1364هـ).

-حسين بن أحمد بن قاسم الخوثي (1386هـ).

((وإذا كان الإصلاح (الذي اختطه الرائد) يسير ببطء فما هو المتسبّب, وإنما ذلك لطبيعة الزمان والمكان, وضعف المقتضيات, وقوة الموانع, وحسبه أن حرّك الخامد, وزعزع الجامد, وأجال اليد المصلحة)) ومن نافلة القول أن هذه الدراسات الوصفية لهذه المدارس الفكرية, لن تؤتي أكلها, ولن تقوم على سوقها, إلا بدراسة مسبقة شاملة عن رائد تلك المدرسة, ولمّا يحصل ذلك –فيما أعلم-.

وبعد فلم يحض ابن الوزير –رحمه الله- بالترجمة لا من معاصريه, ولا من بعدهم. أما معاصريه فلم يترجم له أحد منهم في كتبهم المشهورة كالمقريزي (845هـ) في ((درر العقود الفريدة)), فقد ترجم فيه لمعاصريه, ولا الحافظ ابن حجر (852هـ) في ((إنباء الغمر)), وهو على شرطه , ولا العيني في ((عقد الجمان)), ولا الفاسي (832هـ) في ((العقد الثمين)) , ولا ابن تغري بردي (874هـ) في ((المنهل الصافي)).

إلا ابن فهد (871هـ) فقد ترجمه ترجمة موجزة في ((معجمه)) نقل السخاوي في ((الضوء اللامع)): (6/272) جلّ ما فيها.

ثم ترجم له السخاوي ترجمة موجزة في ((الضوء)) جلّها من ((معجم ابن فهد)), وهذا يدل على عدم معرفته به, خاصّة أنه وهم فيها عدة أوهام!!.

ولذلك قال الشوكاني: ((وكذلك السخاوي لو وقف على (العواصم والقواصم) لرأى فيها ما يملأ عينيه وقلبه, ولطال عنان قلمه في ترجمته, ولكن لعله بلغه الاسم دون المسمّى)).

ثم قال: ((ولا ريب أن علماء الطوائف لا يكثرون العناية بأهل هذه الديار لاعتقادهـم في الزيديـة مالا مقتضى له, إلا مجرد التقليد لمن لم يطلع على الأحوال, فإن في الديار الزيدية من أئمة الكتاب والسنة عدداً يجاوز الوصف يتقيدون بالعمل بنصوص الأدلة, ويعتمدون على ما صح في الأمهات الحديثية… ولا يرفعون إلى التقليد رأساً, لا يشوبون دينهم بشيءٍ من البدع التي لا يخلو أهل مذهب من المذاهب من شيء منها, بل هم على نمط السلف الصالح…)) ا هـ.

أما أهل بلده فقد انتصبوا لعداوته, والطعن فيه, والترسّل عليه, لا لشيء!! إلا لأنه ((ذبّ عن السنة ودفع عن أعراض أكابر العلماء وأفاضل الأمة, وناضل أهل البدع, ونشر علم الحديث, وسائر العلوم الشرعية في أرض لم يألف أهلها ذلك, لا سيما في تلك الأيام)) .

وكان قائد تلك الحملة: شيخه جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم (837هـ) وهو المردود عليه في هذا الكتاب –كما سيأتي مشروحاً-.

قلت: بل بُلي بمن يطعن فيه من أهل بيته !! ويقول: إنه ممن أضله الله على علم!! وهذا كما قيل: وظلم ذوي القربى أشــدّ مــضاضـةً على النفس من وقع الحسام المهنّد. ومن أبشع ما وقفت عليه في الكلام على المؤلف –رحمه الله- والتعصب عليه, مافاه به يحيى بن شمس الدين بن أحمد بن يحيى المرتضى (965هـ), فقد ساق القاضي الأكوع في ((هجر العلم)) نقلاً عن هذا الرجل كلاماً شنيعاً مُقذعاً في حق الإمام ابن الوزير –رحمه الله- . والشأن ما قاله الشوكاني: ((إن هذه قاعدة مطردة في كلّ عالم يتبحّر في المعارف العلمية, ويفوق أهل عصره, ويدين بالكتاب والسنة, فإنه لا بدّ أن يستنكره المقصّرون, ويقع له معهم محنة بعد محنة, ثمّ يكون أمره الأعلى, وقوله الأوْلى, ويصير له بتك الزلازل لسان صدقٍ في الآخرين, ويكون لعلمه حظ لا يكون لغيره….)) اهـ. أمّا من ترجم له من أهل بلده فهم:

1-تلميذه محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم الوزير (897هـ) في ترجمة مستقلة, وهي التي نشرتها هنا في مقدمة هذا الكتاب.

2-أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الوزير (985هـ). في ((تاريخ بني الوزير)) (ق/35ب-41ب).

3-أحمد بن صالح بن محمد بن علي بن أبي الرجال (1092هـ) في ((مطلع البدور ومجمع البحور)) (مخطوط).

4-يحيى بن الحسين بن القاسم (1100هـ) في ((طبقات الزيدية الصغرى)) (مخطوط).

5-إبراهيم بن القاسم بن المؤيد (1153هـ) في ((طبقات الزيدية الكبرى)) (مخطوط).

6-الوجيه العطّاب في ((تاريخه)) .

7-الشوكاني (1250هـ) في ((البدر الطالع)) (2/81-93). وقال: إن ترجمته تحتمل مجلداً. وقد ترجم له ترجمة هائلة, ونعته بعبارات ضخمة, لم يطلقها ولا مثلها على أحد ممن ترجم له في كتابه أجمع. وغير هؤلاء……

أما المحدثين فقد قدّم حوله عدد من الدراسات العلمية هي:

-((ابن الوزير اليمني ومنهجه الكلامي)) لرزق الحجر, طبع سنة (1404هـ).

-((إيثار الحق على الخلق)) لابن الوزير, دراسة وتحقيق, الجزء الأول, لأحمد مصطفى حسين صالح, رسالة ماجستير بجامعة الإمام محمد بن سعود عام (1403هـ), وطبعت سنة (1405هـ).

-الجزء الثاني من ((الإيثار)), رسالة ماجستير بالجامعة نفسها, لمحمد بن زيد العسكر, عام (1408هـ), ولمّا تطبع.

-((ابن الوزير وآراؤه الاعتقادية)), رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى, لعلي بن علي الحربي سنة (1406هـ), وطبعت سنة (1417هـ) في مجلدين.

-((منهج ابن الوزير في الحديث)) رسالة دكتوراه, بالمغرب, لأخي العزيز محمد بن عبد الله باجعمان, ولمّا تناقش بعد.

-كما أفرده أحمد العليمي بباب كامل في رسالته للماجستير ((الصنعاني وكتابه توضيح الأفكار)): (ص/109-138), لم يقدم فيها جديداً!!.

-الإمام ابن الوزير وكتابه العواصم, للقاضي إسماعيل بن علي الأكوع.

ولمّا لم أرد تكرار الجهد, واجترار المعلومات رأيت أن أسهم هنا بنشر ((ترجمة ابن الوزير)) لحفيد أخيه محمد بن عبد الله بن الهادي (897هـ).

وهذه ترجمته: من كتاب ((هجر العلم ومعاقله في اليمن)): (1/450-451).

هو: ((محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم بن علي بن المرتضى الوزير . عالم مبرز في كثير من العلوم, نسّابة شاعر أديب, وكان له خط جميل.

وقرأ على عمّ أبيه الإمام المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير. طُلب منه أن يدعو إلى نفسه بالإمامة فوافق في بداية الأمر, ثم أعرض عنها. ذكره البريهي في تاريخه المطوّل, فقال: ((إنه التزم بمذهب الزيدية, وكان وزيراً للإمام الناصر, ثم عزله, وقال: إنه أطلع على قصيدة للفقيه إبراهيم الإخفافي ينتقد فيها مذهب الزيدية, مطلعها:

مـذهـبكـم يـا أيـهـا الـزيـديــة مــذهـب حـق جـاء للــعدلية

قال: ذلك تهكماً, فأجاب عليه محمد بن عبد الله الوزير بقوله:

قــصيدة فــريــدة دريـّـــــــة رائعــــة في الـوزن والرويّـــة وهي (92) بيتاً تعرّض فيها للمذهب الشافعي, فردّ عليه علي بن أبي بكر السّحولي بقصيدة سماها ((الشهب الثاقبة الدامغة للفرقة القدرية الزائغة)) وهي في (260) بيتاً مطلعها: * ما بالكم يا معشر الزيدية *

ثم قال البريهي: ((وله يد باقعة في علم النحو والأدب والشعر)). توفي بحدّه ليلة السبت المسفرة عن (15 شعبان 897هـ), وذكر إبراهيم بن القاسم في ((طبقاته)) أنه توفي بصنعاء وقُبر في جربة الروض. وكان مولده بصعدة سنة (810هـ) انتهى.

أما النسخة الخطية: فتقع في (7) ورقات في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء, بخط لطف بن سعد السّميني.

اسمــه:

هو: محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى الوزير، اليمني الصنعاني، اشتهر بابن الوزير، يرجع نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.

مولــده:

ولد في شهر رجب عام خمس وسبعين وسبعمائة (775هـ).

مكان ولادتــه:

ولد بهجرة الظهراوين من شظب(1)

نشأتــه وطلبه للعــلم:

نشأ في هجرة الظهراوين بين أهله الذين آثروا طلب العلم على ما سواه، فحفظ القرآن الكريم، وجوده واستظهره، وحفظ متون كتب الطلب.

“قرأ في العربية على أخيه العلامة الهادي بن إبراهيم وعلى القاضي العلامة محمد بن حمزة بن مظفر، وقرأ علم الكلام على القاضي العلامة علي بن عبدالله بن أبي الخير “شرح الأصول” -وهو معتمد الزيدية في اليمن- و”الخلاصة” و”الغياصة” و”تذكرة ابن متَّويه”، وقرأ علم أصول الفقه على السيد العلامة علي بن محمد بن أبي القاسم وقرأ عليه أيضاً علم التفسير، وقرأ في الفروع على القاضي العلامة عبدالله بن الحسن الدواري وغيره من مشايخ صعدة، وقرأ الحديث بمكة على محمد بن عبدالله بن ظهيرة، وفي غيرها على نفيس الدين العلوي، وعلى جماعة عدة، والحاصل أنه قرأ على أكبار مشايخ صنعاء وصعدة وسائر المداين اليمنية ومكة، وتبحر في جميع العلوم وفاق الأقران، واشتهر صيته، وبعُد ذكره، وطار علمه في الأقطار”(2).

 مشايخــه:

في اللغة العربية: الهادي بن إبراهيم الوزير، ومحمد بن حمزة بن مظفر.

في علم الكلام: علي بن عبدالله بن أبي الخير اليمني.

في علم أصول الفقه: علي بن محمد بن أبي القاسم.

في علم التفسير: علي بن محمد بن أبي القاسم.

في علم الفروع: عبدالله بن حسن الدواري، وغيره من مشايخ صعدة.

في علم الحديث: علي بن عبدالله بن ظهيرة بمكة المكرمة، وفي غيرها نفيس الدين العلوي، ودرس على جماعة عدة.

 مكانته العلمية ومعالم شخصيته وتفكيره:

ابن الوزير إمام أئمة المجتهدين، مجدد زمانه، حامل لواء محاربة التقليد من دون لين ولا هوادة، كان مبرزاً في علوم العربية، وعلوم القرآن، وعلوم السنة، وحسبه ما أثنى عليه الجلة العلماء في عصره وبعد عصره.

قال الشوكاني عن ابن الوزير: “إنه ممن يقصر القلم عن التعريف بحاله، وكيف يمكن شرح حال من يزاحم أئمة المذاهب الأربعة فمن بعدهم من الأئمة المجتهدين في اجتهاداتهم، ويضايق أئمة الأشعرية والمعتزلة في مقالاتهم، ويتكلم في الحديث بكلام أئمته المعتبرين مع إحاطته بحفظ غالب المتون، ومعرفة رجال الأسانيد شخصاً وحالاً وزماناً ومكاناً، وتبحره في جميع العلوم العقلية والنقلية على حد يقصر عنه الوصف.

 ومن رام أن يعرف حاله ومقدار علمه، فعليه بمطالعة مصنفاته، فإنها شاهد عدل على علو طبقته، فإنه يسرد في المسألة الواحدة من الوجوه ما يبهر لب مطالعه، ويُعَرّفه بقصر باعه بالنسبة إلى علم هذا “الإمام” كما يفعله في “العواصم والقواصم”، فإنه يورد كلام شيخه السيد العلامة علي بن محمد بن أبي القاسم في رسالته التي اعترض بها عليه، ثم ينسفه نسفاً بإيراد ما يزيفه به من الحجج الكثيرة التي لا يجد العالم الكبير في قوته استخراج البعض منها، وهو في أربعة مجلدات يشتمل على فوائد في أنواع من العلوم لا توجد في شيء من الكتب”.

وقال عن مكانته العلمية أيضاً: “إنه إذا تكلم في مسألة لا يحتاج بعدَه الناظر إلى النظر في غيره من أي علم كان”.

إن محمد بن إبراهيم الوزير يمثل الشخصية المسلمة التي تلقت معالم تفكيرها من القرآن والسنة النبوية، فهو تلميذ لكتاب الله وسنة رسوله لا لشيء سواهما، وقد بلغ من معرفته بالسنة وعلومها ما جعله أبرز علمائها، فتحول من مذهبه الزيدي الذي نشأ وترعرع عليه إلى إيثار العمل بأدلة الكتاب وصحيح السنة.

نابذاً التقليد وراء ظهره، وداعياً غيره إلى طرح أقوال الرجال، التي ليس عليها براهين ولا أثارة من علم، والرجوع لمصدر الهداية كتاب الله وسنة رسوله، فما كان من علماء عصره المقلدين، لاسيما شيخه علي بن محمد بن أبي القاسم، إلا أنهم عادوه وأشهروا عليه القدح والتجريح، واتهموه بمخالفة إجماع أهل البيت في مسائل كثيرة بين بطلانها هو وأخوه الهادي.

وكان ابن الوزير رحمه الله يرسل إلى شيخه بالموعظة والقول اللين والعتاب الجميل نثراً وشعراً، ولم يغير ذلك من موقف شيخه، بل زاد منه عداوة، وحبرَّ إليه رسالة سنة (808هـ) أفرغ فيها ما شاء من هواه، وانتقده نقداً مريراً وجرحه، وتناول أئمة الإسلام بالقدح والذم، فما كان من محمد بن إبراهيم الوزير إلا أنه شمر ساعديه وكتب مؤلفه العظيم: “العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم”.

تصدر للتدريس وأقبل عليه الطلاب من أماكن شتى لينهلوا من علومه الواسعة، لاسيما علوم الحديث، ثم اعتزل الناس حتى أهله، ومال إلى الزهد والروع وانقطع للعبادة والذكر. وانتهى به المطاف إلى الاستقرار بصنعاء حتى توفي بها.

ثنــاء العلماء علــيه:

ترجم له الإمام الشوكاني، والسخاوي، والحافظ ابن حجر العسقلاني، وصاحب “مطالع البدور”، والوجيه العطاب اليمني، والشريف الفاسي المالكي في كتابه “العقد الثمين”.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في “إنباء الغمر”: “كان مقبلاً على الاشتغال بالحديث، شديد الميل إلى السنة”.

وقال صاحب “مطالع البدور”: “ترجم له الطوائف، وأقر له الموالف والمخالف”.

 يلخص الشوكاني رأيه فيه فيقول: “والحاصل أنه رجل عرفه الأكابر، وجهله الأصاغر، وليس ذلك مختصاً بعصره، بل هو كائن فيما بعده من العصور إلى عصرنا هذا، ولو قلتُ: إن اليمن لم تنجب مثله لم أُبعِد عن الصواب، وفي هذا الوصف ما يحتاج معه إلى غيره”.

مؤلفاتــه:

1- “العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم”، وهو أعظم كتبه وأفضلها (مطبوع).

2- “البرهان القاطع في إثبات الصانع وجميع ما جاءت به الشرائع” (مطبوع).

3- “إيثار الحق على الخلق” ( مطبوع).

4- “ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان” (مطبوع).

5- “تنقيح الأنظار في علوم الآثار” (مطبوع).

6- “الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم” (مطبوع).

إضافة إلى الكثير من المخطوطات التي لم تطبع بعد.

 وفاتــه:

توفي رحمه الله يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من المحرم غرة سنة (840هـ)، وقد بلغ من العمر أربعة وستين سنة ونصف السنة، بمرض الطاعون الذي انتشر في اليمن في سنة (839هـ) وسنة (840هـ)، وقد دفن في الرويات “مسجد الروية” المعروف اليوم بمسجد فروة بن مسيك قبلي مصلى العيد بجوار جدار المسجد.


(1) شظب: جبل من بلد بني حجاج ناحية السودة شمال غرب صنعاء على مسافة (100) كيلو متر تقريباً.

(2) البدر الطالع: (2/82،81).

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s