كتاب قرأته: فقه الغناء والموسيقى في ضوء القرآن والسنة

Posted: 5 فبراير 2012 in كتاب قرأته, مقالات أدبية, مقالات إسلامية, مقالات تاريخية, أدب وشعر, أغاني

إنه كتاب من أروع ما كتب الإمام القرضاوي .. وهو يناقش قضية حساسة كثر اللغط فيها في العقود الأخيرة .. الكتاب ورغم صغر حجمه إلا أنه موسوعة معرفية في مجاله .. وهو زاد كل فرد يريد أن يعرف رأي الشرع .. وتنوع آراء العلماء في هذه القضية .. وهل ما نسمعه من الأغاني حرام أم مباح…
(استفت قلبك؛ البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن اليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)

بعقلية الفقيه، ومنهج المحدث، وبعد نظر المفكر، يتناول العلامة الدكتور يوسف القرضاوي مسألة الغناء والموسيقى في كتابه القيم «فقه الغناء والموسيقى في ضوء القرآن والسنة» وينتصر فيه للعقل والنقل والفطرة، والكتاب من منشورات مكتبة وهبة في مصر، وتبلغ عدد صحفاته في طبعة الثالثة 2004م «255» صفحة.

تناول فيها العلامة القرضاوي مسألة حكم الغناء والموسيقى في الإسلام، وقد جاء التناول شاملاً، والنقاش عميقاً ومستفيضاً حول مسألة كانت ومازالت محل نقاش وجدل كبير.

وفيما يلي نضع بين يدي القارىء قراءتنا للكتاب لا ليقف عندها، ولكن لتكون له حافزاً للرجوع إلى الأصل ولتكن بدايتنا من المقدمة.. ففي مقدمة الكتاب يشير الشيخ القرضاوي إلى كتب له سابقة تناولت الموضوع مثل : «الحلال والحرام في الإسلام» و«فتاوى معاصرة» و«ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده» و«الإسلام والفن».. ولكن لأن الشيخ شعر أن الموضوع لايزال بحاجة إلى بسط الكلام حوله فقد كتب كتابه هذا الذي أفرده لمسألة الغناء والموسيقى حتى يعطي الموضوع حقه من البحث والنظر.

موقف الإسلام من الفن والجمال بين الافراط والتفريط

وفي موقف الإسلام من الفن والجمال بين الشيخ القرضاوي ان الحقيقة ضاعت بين طرفي أفراط وتفريط، فهنالك من يتصور ان المجتمع الإسلامي مجتمع عبادة ونسك، مجتمع جد وعمل، فلا مجال فيه لمن يلهو أو يلعب، أو يضحك أو يمزح، أو يغني، أو يطرب، لا يجوز لشفة فيه ان تبتسم ولا لسن ان تضحك، ولا لقلب ان يفرح، ولا لبهجة ان ترتسم على وجوه الناس !!

وعلى العكس من هؤلاء أولئك الذين اطلقوا العنان لشهوات أنفسهم، فجعلوا الحياة كلها لهواً ولعباً، وأذابوا الحواجز بين المشروع والممنوع.. بين المفروض والمرفوض.. بين الحلال والحرام.

ولهذا كان لابد من نظرة منصفة إلى الموضوع ـ بعيداً عن أفراط هؤلاء وتفريط أولئك ـ في ضوء النصوص الصحيحة الثبوت، الصريحة الدلالة، وفي ضوء مقاصد الشريعة وقواعد الفقة المقررة.

مبادئ أساسية في موقف الإسلام من الفنون

ويذكر الشيخ القرضاوي جملة من المبادئ الأساسية التي ينبغي اخذها بعين الاعتبار عند الحديث عن موقف الإسلام من الفن، ومن تلك المبادئ :

1ـ الإسلام دين واقعي في التعامل مع الإنسان كله :

فالإسلام يتعامل بواقعية مع الإنسان كله : جسمه ، وروحه، وعقله، ووجدانه، ويطالبه ان يغذيها جميعاً بما يشبع حاجتها، في حدود الاعتدال الذي هو صفة عباد الرحمن «والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما» وليس هذا خلقهم في أمر المال فقط، بل هو خلق أساسي عام في كل الأمور، وهو المنهج الوسط للأمة الوسط.

وإذا كانت الرياضة تغذي الجسم، والعبادة تغذي الروح، والعلم يغذي العقل، فإن الفن يغذي الوجدان، والمقصود بالفن هنا : الفن الراقي الذي يسمو بالإنسان لا الذي يهبط به.

2ـ القرآن ينبه على عنصري المنفعة والجمال في الكون :

فإذا كانت روح الفن هي الاحساس بالجمال وتذوقه، فهذا هو ما عني به القرآن، ونبه عليه في أكثر من موضع فالقرآن يلفت النظر بقوة إلى عنصر «الحسن» أو «الجمال» الذي أودعه الله في كل ما خلق إلى جوار عنصر «النفع» أو «الفائدة» فيه.

فقوله سبحانه «والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنها تأكلون» «النحل 5» فيه تنبيه على جانب المنفعة والفائدة وقوله بعد ذلك «ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون» «النحل 6» فيه تنبيه على الجانب الجمالي حيث يلفت الانظار إلى هذه اللوحة الربانية الرائعة التي لم ترسمها يد فنان مخلوق، ولكن رسمتها يد الخالق سبحانه.

وكذلك قوله سبحانه : «والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة» النحل 8» فالركوب يحقق منفعة مادية مؤكدة، أما الزينة فهي متعة جمالية فنية، وهذا التكامل مقصود للوفاء بحاجات الإنسان المادية والروحية.

وأيضاً قوله تعالى «وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها» النحل 14» فلم يقصر فائدة البحر على العنصر المادي المتمثل في اللحم الطري الذي يؤكل فينفع به الجسم، بل ضم إليه الحلية التي تلبس للزينة، فتستمتع بها العين والنفس.

وقد تكرر هذا التوجيه القرآني الذي يربط بين الجمال والمنفعة في الكون في كثير من الآيات.

3ـ المؤمن عميق الاحساس بالجمال في الكون والحياة.

فالمؤمن يرى يد الله المبدعة في كل ما يشاهده في هذا الكون البديع، ويبصر جمال الله في كل ما خلق وصور «الذي احسن كل شيء خلقه» «السجدة 7» وبهذا يحب المؤمن الجمال في كل مظاهر الوجود لأنه اثر جمال الله جل وعلا.

والمؤمن يحب الجمال لأن ربه يحبه، فهو جميل يحب الجمال، وهذا ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، حينما توهم بعضهم ان الجمال يتنافى مع الإيمان، أو يدخل صاحبه في دائرة الكبر والمقت عند الله وعند الناس، فقد روى ابن مسعود ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» فقال رجل : إن الرجل يحب ان يكون ثوبه حسناً، ونعله حسناً، فقال صلى الله عليه وسلم : «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس» رواه مسلم.

الجمال المسموع.. الغناء والموسيقى

وبعد أن بين الشيخ القرضاوي عناية الإسلام بالجمال، وحرصه على جعل المسلم يستشعر ويتذوق الجماليات من حوله، وباعتبار ان الجمال له تجلياته المختلفة فمنه ما يتجلى لحاسة البصر، ومنه ما يتجلى لحاسة السمع، ومنه ما يتجلى لحواس أخرى، فإن الغناء والموسيقى هو ذلك النوع من الجمال الذي يتجلى لحاسة السمع، فما حكم الإسلام في الجمال المسموع «الغناء والموسيقى» ؟!

وللإجابة عن هذا السؤال بدأ الشيخ القرضاوي باستعراض جميع وجهات النظر الفقهية مع مناقشتها وبدأ بأدلة المحرمين للغناء والموسيقى.

أدلة المحرمين للغناء والموسيقى ومدى اعتبارها.

وقد استقصى العلامة القرضاوي أدلة المحرمين للغناء والموسيقى فوجدها تنحصر اجمالاً في خمسة أنواع من الأدلة وهي :

1ـ أدلة من القرآن الكريم.

2ـ أدلة من السنة النبوية والآثار المروية.

3ـ الاستدلال بالاجماع، خاصة إذا كان الغناء مع الآلات.

4ـ الاستدلال بقاعدة سد الذرائع.

5ـ الاستدلال بقاعدة الاحتياط واتقاء الشبهات.

ثم بدأ الشيخ القرضاوي باستعراض تلك الأدلة بالتفصيل ومناقشتها والرد على من استدلوا بها.

أدلة المحرمين للغناء والموسيقى من القرآن الكريم

وكانت البداية مع أدلة القائلين بالتحريم من القرآن الكريم، وقد استقصى لهم في ذلك خمس آيات من كتاب الله، وهي قوله تعالى :

1ـ «ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم «لقمان 6»

2ـ «وإذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين» «القصص 55».

3ـ «والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما» «الفرقان 72»

4ـ «واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلك» «الاسراء 64»

5ـ «أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون» «النجم59ـ61»

ومن صـ 29ـ 39 ناقش الشيخ القرضاوي الاستدلال بتلك الآيات على تحريم الغناء والمعازف وبين انه لا حجة فيها ولا دليل للقائلين بالتحريم.

أدلة المحرمين للغناء والموسيقى من السنة

ثم استعرض الأحاديث التي استدل بها المحرمون للأغاني والموسيقى، وافاض في مناقشتها رواية ودراية من صـ40ـ 65 وبين ان الصحيح منها لايدل على التحريم، وان الضعيف لا يجوز الاحتجاج به.

وقد استقصى أدلة القائلين بالتحريم من السنة والاثار فكانت الحصيلة ما يلي :

1ـ حديث المعازف الذي رواه البخاري معلقاً «ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحِر «الزنا» والحرير والخمر والمعازف».

2ـ حديث تحريم الكوبة والغبيراء «إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة والغبيراء.. رواه أحمد وأبو داود.

3ـ حديث «كل لهو باطل إلا ثلاثة» والحديث رواه أحمد وأصحاب السنن والحاكم « كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل إلا ثلاثة «دميه بقوسه، وتأديبه فرسه وملاعبته أهله، فإنهن من الحق».

4ـ أحاديث الوعيد على اتخاذ القيان «المغنيات» والمعازف والدفوف، كحديث «في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف فقال رجل من المسلمين : يا رسول الله ومتى ذلك ؟ قال : إذا ظهرت القيان والمعازف وشربت الخمور، » رواه الترمذي.

وقد ذكر الشيخ القرضاوي أربعة أحاديث في هذا المعنى.

5ـ حديث «صوتان ملعونان : صوت مزمار عند نعمة وصوت عويل عند مصيبة» ذكره الألباني في السلسلة الصحيحة برقم «427» وعزاه إلى أبي بكر الشافعي في الرباعيات وغيره.

6ـ حديث زمارة الراعي : وهو ما رواه نافع ان ابن عمر سمع صوت زمارة راعٍ فوضع أصبعيه في أذنية، وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول : يا نافع، أتسمع ؟ فأقول : نعم، فيمضي حتى قلت : لا، فرفع يده، وعدل راحلته إلى الطريق، وقال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع زمارة راعٍ، فصنع مثل هذا» رواه أبو داود.

7ـ حديث «إن الغناء ينبت النفاق في القلب » رواه البيهقي عن ابن مسعود موقوفاً ولا يصح رفعه.

8 ـ حديث «مزمور الشيطان» وهو الحديث المشهور المخرج في الصحيحين ان أبابكر رضي الله عنه دخل على أم المؤمنين عائشة وعندها جاريتان تغنيان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أمزمور الشيطان في بيت رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم «دعهما يا أبابكر فإنها أيام عيد».

9 ـ ما روي عن عثمان انه قال : «ما تغنيت ولا تمنيت» اخرجه الطبراني.

وقد ناقش الشيخ القرضاوي كل تلك الأحاديث والروايات سنداً ومتناً وبين ان لا حجة فيها للقائلين بالتحريم، وختم ذلك بقوله «والخلاصة ان الأحاديث التي استدل بها القائلون بالتحريم إما صحيح غير صريح، أو صريح غير صريح، ولم يسلم منها حديث صريح واحد مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح دليلاً للتحريم».

الاستدلال بالاجماع على تحريم الغناء والموسيقى

واستغرب الشيخ القرضاوي دعوى البعض الاجماع على تحريم الغناء والموسيقى، مع انها قضية اشتهر فيها الخلاف من قديم، وذكر عدداً من العلماء الذين تصدوا لدعوى الاجماع هذه، منهم الامام الشوكاني الذي ألف رسالة أسماها «ابطال دعوى الاجماع على تحريم مطلق السماع» وبين من قال بإباحته من السلف والخلف بآلة وبغير آلة.

بل إن الشيخ القرضاوي حكى عن البعض اجماع أهل المدينة على اباحة الغناء بالعود، وحكى عن آخرين اجماع الصحابة والتابعين على إباحة الغناء ! وليس اغرب من ان يحكى الاجماع على الشيء وضده في آن معاً، وتبقى دعوى الاجماع هنا وهناك دعوى مجردة عن الدليل، ومخالفة للواقع.

الاستدلال بقاعدة سد الذرائع على تحريم الغناء

ومما استبدل به المحرمون للغناء والموسيقى قاعدة «سد الذرائع» والشيخ القرضاوي يقول عن نفسه انه ليس مع الذين لم يروا سد الذرائع، بل هو يراها من ارسخ قواعد الشرع، ودعائم الفقه، بشرط ان تستخدم في موضعها وفي إطارها الصحيح، دون غلو ولا تفريط.

وقد قرر العلماء المحققون من أمثال الإمام القرافي، والشاطبي ان المبالغة في سد الذريعة كالمبالغة في فتحها، كلتاهما تفسد أكثر مما تصلح، وتضر أكثر مما تنفع.

ويرى الشيخ القرضاوي ان المبالغة في سد الذرائع تحرم المجتمع من مصالح معتبرة، ومن خيرات كثيرة، وتحرم عليه طيبات قد احلها الله له، وتضيق عليه فيما وسع الله له.. وربما تنتهي إلى تغيير طبيعة الدين الذي قام على اليسر لا على العسر، وعلى التخفيف لا على التشديد، وعلى التبشير لا على التنفير، إلى دين متزمت متشدد.

ثم يقرر انه لا حاجة إلى استعمال قاعدة سد الذرائع في مسألة الغناء والموسيقى ويكفينا في ذلك الالتزام بالضوابط الشرعية للغناء المباح.

الاستدلال بالاحتياط واتقاء الشبهات لتحريم الغناء

وأما الاستدلال بالاحتياط واتقاء الشبهات على تحريم الغناء والموسيقى فالعلامة القرضاوي يرد عليه بأن اتقاء الشبهات ليس من الواجبات الدينية، وانما هو من الأمور المستحبة التي تقوى بحسب درجة الشبهة وإلا لسوينا بين المحرمات والمشتبهات، وهما مختلفان.

ثم إن الشبهة التي ينبغي اتقاؤها إنما تكون فيمن اشتبه عليه الأمر، أما من تبين له الأمر بانتقاله إلى أحد الطرفين : الحل أو الحرمة، فلم يعد الأمر شبهة في حقه.

ولذا نقول : إن من ظهرت له اباحة الغناء، وقامت له الحجة، واتضحت له المحجة، فلا يدخل الأمر عنده في دائرة الشبهات.

أدلة المبيحين للغناء والموسيقى

وبعد ان يفرغ الشيخ القرضاوي من استعراض ومناقشة أدلة المحرمين للغناء والموسيقى، وبيان ان لا دلالة فيها على ما ذهبوا إليه من التحريم، يقول «كان يكفي المبيحين للغناء : ان تسقط أدلة التحريم واحداً بعد الآخر، ولا يبقى منها دليل واحد ينهض للدلالة على ما أراده المحرمون، وإذن يبقى الأمر على أصل الاباحة.

ومع هذا فعند المجوزين أو المبيحين أدلة شتى، تشد أزرهم، وتقوي ظهرهم فيما ذهبوا إليه، فعندهم أدلة من :

1ـ القرآن الكريم.

2ـ السنة النبوية الصحيحة.

3ـ هدي الصحابة الكرام.

4ـ مقاصد الشريعة وروح الإسلام.

إذا كان حب الغناء والطرب غريزة وفطرة إنسانية، فهل جاء الدين لمحاربة الغرائز والتنكيل بالفطرة ؟

الجمود والتقليد وضغط الواقع الغنائي المنحرف والأحاديث الضعيفة والموضوعة والغناء الصوفي وغياب الرؤية المقاصدية، كلها عوامل أدت إلى تشدد وتزمت البعض في مسألة الغناء والموسيقى.

من مقال بعنوان “الدين والفن.. وجمال اللقاء تحت سماء العقل وعلى بساط الفطرة” للكاتب/ أمين نعمان الصلاحي

نقد الكتاب:
وقد حضي الكتاب بالكثير من النقد وقد كتب الأستاذ/ محمد بن جماعة  مقال بعنوان “العدل في نقد الكتب والكتاب: موضوع الغناء والموسيقى نموذجا ” تطرق فيه إلى ما حضي به هذا الكتاب من نقد وإليكم نص المقال:

بعض الكتب المتخصصة في الرد على الآخرين، يطغى عليها التجريح ومحاكمة النوايا وتجهيل المخالف، وليس هذا من أساليب الكتابة العلمية الأكاديمية.

ومن أمثلة ذلك، كتاب نشره الشيخ عبد الله رمضان موسى بعنوان: (الرد على القرضاوي والجديع)، وكان عنوانه الفرعي: ((رد علمي متضمن قواعد في أصول الفقه والحديث واللغة، على الدكتور يوسف القرضاوي وكتابه “فقه الغناء والموسيقى”، ووالأستاذ عبد الله الجديع وكتابه “الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام”، والدكتور سالم الثقفي وكتابه “أحكام الغناء والمعازف”، والدكتور محمد المرعشلي وكتابه “الغناء والمعازف في الإعلام المعاصر”.

وذكر الناشر أن الكتاب كان اسمه: (هدم أصول المجازف وأصحابه المبيحين للمعازف) وأنه تم تغيير اسم الكتاب أثناء الطبع بعد مشورة بعض أهل العلم.

وقد اطلعت على الكتاب، وعجبت لمقدمه (وهو دكتور في أصول الفقه المقارن) كيف كتب مقدمته التعميمية (التي لم تتجاوز 3 صفحات)، التي توحي بأن د. القرضاوي، ود. الثقفي ود. الجديع كتبوا كتبهم لإباحة الغناء الماجن، الذي يدعو للفاحشة، وأنهم يبيحون الغناء في أماكن الفسوق والعصيان، ويبيحون الغناء للمرأة وهي في قمة التبرج، ويبيحون ما يشاهد من عري ومجون في الفيديو كليب المصاحب للأغاني.

وقد قرأت كتابي القرضاوي والجديع عدة مرات، وعدت لقراءة كتاب د. الجديع كاملا، ولم أجد ولو كلمة واحدة تدل على مثل الاتهام والتضليل العلمي.

وعجبت له كيف لم يتحرج من قول ما يلي:
((وقد اطلعت على بعض كلمات للدكتور الثقفي والجديع في هذه المسألة، ولن أطيل الكلام معهما، وذلك لأن كلامهما في هذه المسألة اشتمل على التلبيس والجهل، بل والتضليل في النقول عن العلماء، حتى وقع في قلبي أن من يكتب مثل هذه الأباطيل، لا يخاف الله والدار الآخرة. فحسبنا الله ونعم الوكيل.

وبعد ذلك، أيها القارئ الكريم، عرضت الأمر على أخي العزيز الأستاذ عبد الله رمضان، وهو من الباحثين الجيدين في أصول اللفقه وعلم الحديث، وقلت له: إن هذه الكتب الثلاثة (يعني كتب القرضاوي والثقفي والجديع) تشتمل على أغاليط وتلبيسات بل وأضاليل، ولست مهيئا نفسيا لقراءتها -علم الله- وذلك بسبب ما اشتملت عليه من التلبيسات المضلة، مما كان يسبب لي ارتفاعا شديدا في الضغط)).

فإن لم يكن مهيئا نفسيا لقراءتها، إذن فهو لم يقرأ هذه الكتب، فكيف حكم (بثقة واعتداد) على جميع ما فيها بالغلط والتلبيس والتضليل ؟ ألا يدل كلامه على أنه حكم بضلال ما في هذه الكتب، من قبل أن يطلع عليها، ثم طلب من أحدهم أن يطلع عليها للرد عليها، أي أنه وضع أحكاما مسبقة، ثم أراد أن يجمع الاستدلالات على صحة رأيه؟ (والعجيب أن د. الجديع تحدث عن هذا الصنف من الرجال في كتابه المذكور، في معرض بيانه لأصناف المتسرعين في نقد بحثه).

ومع رجاء الشفاء له من ارتفاع الضغط، أعجب لمثل هؤلاء الذين يتعاملون مع البحوث العلمية بمثل هذه الحساسية المفرطة التي تجعلنا لا نأمن على مواقفهم من أن تكون متأثرة بحالتهم النفسية. وهل يمكن لإنسان في حالة غضب شديد أن يكون متزنا في مواقفه وأقواله؟

ولست أدري من يحق أن يقال فيه إنه لا يخاف الله والدار الآخرة. فحسبنا الله ونعم الوكيل.. والله المستعان.

وإن كنت أعتبر نفسي غير أهل للفصل في مثل هذه المواضيع، ولا أدّعي الأهلية لنفسي في أي موضوع خارج اختصاصي، غير أنني أعتبر نفسي قارئا لديه خبرة طويلة في المطالعة المنهجية في علوم الدين وغيرها. ومن عادتي ألا أسلّم لعالم أو كاتب في ما ما يقوله إلا بعد مقارنات طويلة مع أقوال مخالفيه.

وطالما كنت متأكدا من عدم إحاطتي بجميع الآراء في موضوع ما، ألزم نفسي بعدم الإنكار على أحد في ما يذهب إليه.

وهذا ما حثني على البحث عن كتاب الشيخ عبد الله رمضان موسى، عندما ذكر لي نقده لكتاب د. الجديع، والذي أعتبره أفضل ما كتب في موضوع الموسيقى والغناء. وما يحسب للجديع أنه التزم الأمانة في حصر جميع الأدلة، ووضح منهجيته والقواعد التي احتكم إليها، وضوحا شديدا، في تسلسل منطقي شبيه بما يسمى عند مهندسي الكميوتر algorithm، حتى لا تشعر في ما يكتب بوجود خلل أو تناقض أو انحراف أو قصور في عرض الفكرة.

ولا أشك في احتواء بعض الأخطاء في كتابه (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا)، وهذا من طبيعة العمل البشري، خصوصا إن كان جهدا فرديا.. ولكن هذا لا ينقص من عمله في شيء. وكل ما غفل عن ذكره، لا أشك أن مرده ليس الجهل أو الرغبة في تضليل القارئ، وإنما هو عدم الاطلاع بكل بساطة. ولو قيّض له أن يعيد نشر الكتاب والاطلاع على أدلة جديدة، فلا أشك أنه سيضيفها. وهذا هو شأن الباحث النزيه الذي يرغب في أن يكون جهدف مقدما في أفضل وأرقى ما يمكن تقديمه للقارئ.

أما ما أعيبه على كتاب الشيخ عبد الله رمضان موسى، فهو طغيان التجريح ومحاكمة النوايا وتجهيل المخالف على كامل محتواه، وليس هذا من أساليب الكتابة العلمية الأكاديمية.

كثير من الناس يتسرّعون في الردود على الكتب. ومن علامات ذلك في ما يكتبونه:
– البدء في أول الحديث بإصدار حكم عام على علم الكاتب، ثم على محتوى كتابه
– ثم القفز على الصفحات الطويلة الموضحة للمنهج، دون إبداء الملاحظات حول المنهج: هل نحن متفقون مع الخطوات التفصيلية، أم لا؟ ما هي الخطوات التي نتفق معه فيها؟ وما هي الخطوات التي لا نتفق فيها معه؟
– ثم القفز على المنهجية العلمية بالإسراع إلى حشد آراء العلماء في مسألة بما يخدم الرأي الذي نسعى لإثباته. وهذا دليل على عدم قدرة الناقد لبيان الفكرة بمعزل عن أسماء العلماء السابقين الذين يحشد أسماءهم إلى جانب رأيه كي يوحي بصواب رأيه. فكأنه يقول لقارئه: (انظر إلى أسماء هؤلاء العلماء، فإن لم يعجبك رأيي فأنت بصدد الإنكار عليهم وليس على شخصي؟ ومن أنت حتى ترد على هؤلاء العلماء؟…). وهذا في تقديري نوع من المغالطة..
لا يحتاج القارئ كثيرا إلى معرفة قائل القول، ما دام قد تأكد من صواب القول. لذلك قال السلف: (لا نعرف الحق بالرجال. اعرف الحق تعرف أهله).

ولن نساعد القارئ في التأكد من صواب الفكرة إلا بعزلها عن أشخاص قائليها، والاعتناء بكل ما يحيط بها من حجج منطقية، وأدلة عقلية ونقلية، مع استيعاب كامل لهذه الأدلة، حتى تكتمل الصورة لدى القارئ. لأن القارئ إذا اكتشف في كلامنا استدلالا ناقصا، يغفل عن أدلة أخرى (له نصيب من االعلم بها) فإن ذلك سيحط من فكرتنا حتى لو كانت صوابا، خصوصا إذا لم تكن لدى القارئ القدرة على وضع الأدلة الناقصة في مكانها الصحيح وسط باقي الأدلة.

من أصول المنهجية العلمية:

– ألا نتعجل بالحديث عن النتائج قبل أوانها (ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه). وكذلك من استعجل في التأثير على عقل قارئه قبل الأوان عوقب بترك القارئ لكلامه وانصرافه عن حججه.
– ألا نخلط نقدنا لرأي بقدح في قائله. فيكفينا في المنهجية العلمية بيان خطإ الرأي. وهذا ما يجب لطالب العلم أن يقف عند حده. فليس من مهمته أن يثير مشاعر القارئ ضد الكاتب، لأن المشاعر تبقى شخصية، وليس للناقد حق في نقل شحنة عواطفه تجاه الكاتب إلى صدر قارئه.

فعندما يقرأ القارئ نقد طالب العلم لا يحتاج منه أن يؤثر في مشاعره، وإنما يحتاج منه ما يؤثر في فهمه فقط. وللقارئ فيما بعد أن يكيف مشاعره حول الكاتب كما يحب.
لذلك، أعتبر أن الولوج إلى عقل القارئ، من خلال تحويل مشاعره وعواطفه تجاه الكاتب، نوع من المغالطة والتضليل (سواء كان ذلك بالنفخ في قيمة الكاتب أو بإيغار الصدر تجاهه).. أما الولوج إلى عقله من خلال نقد الفكرة والرأي، مع ترك الكاتب وشأنه، فهو نوع من النزاهة التي تفرض احترام الناقد. لأن معركة الناقد الحقيقية مع الفكرة الخاطئة، وليست مع شخص الكاتب. ولو أوحينا للقارئ بأن معركتنا مع الكاتب لوقعنا في فخ يمكن بسببه أن نخسر القارئ، إذا رأى في مواطن أخرى من الكتاب أفكارا أخرى جيدة يمكن أن يشكر عليها الكاتب. وعندها لا يمكن للقارئ الذكي أن يقبل عبارتنا التعميمية القادحة في شخص الكاتب، إما من باب شعوره بأن الكاتب لا يستحق كل هذا القدح فيشعر بالتعاطف مع الكاتب المظلوم، أو لأنه يشعر بأن مثل هذا الأسلوب لا ينسجم مع أخلاقه، أو لأنه يعتبر ذلك نوعا من التضليل للتعمية على بقية الأفكار الجيدة للكاتب.

– مما يساعد في العدل في الحكم على الكتاب: أن لا نحكم عليه بحكم تعميمي، ولا نحكم على كتابه بحكم تعميمي، خصوصا إذا كنا في معرض الرد المفصل. وأفضل ما يساعد القارئ على قبول النقد، أن نحصر كميا عدد الأفكار والآراء المعروضة في الكتاب، وبيان قيمة كل فكرة مقارنة بالأفكار الأخرى، وبجملة الكتاب. ثم نحدد نسبة الصواب والخطإ في كل فكرة لوحدها (وعادة ما نجد الخطأ والصواب مختلطين بنسب متفاوتة في نفس الفكرة).
ثم نفصل بين الأفكار الجيدة، والأفكار الخاطئة، والافكار التي اختط فيها الصواب بالخطأ.

عندها فقط، نكون قد خدمنا القارئ بنقدنا للكتاب. لأنه لا يريد في العادة معرفة الانطباع العام للناقد حول الكتاب أو حول الكاتب.

وأرى أن من أشد الأسئلة المطروحة على العلماء خطورة، تلك التي توجه العالم إلى إبداء رأيه حول كاتب ما من قبيل: (سئل فضيلة الشيخ عن رأيه في كتابات فلان، فرد مشكورا بقوله: …)، هكذا بنوع من التعميم.
هذا النوع من الأسئلة أعتبره مزلقا خطيرا، ويحتوي مغالطة خطيرة من السائل (لنفسه، وللمسؤول، وللقراء من بعدهما)، ولو جاراه العالم في جوابه، لارتكب مغالطة مضاعفة، ولتحمل وزرا مضاعفا.

ولو طبّقتَ هذه الملاحظات على كتاب د. الجديع عن (الموسيقى والغناء) لوجدته متقيدا بهذا الملاحظات المنهجية في كامل كتابه. حيث التزم خطوة بخطوة مع الأدلة الموجودة، ولم يسع في صفحات كتابه الأولى إلى التأثير على رأي القارئ. بل التزم منهج النبي صلى الله عليه وسلم الذي جعل نفسه في نفس منزلة مخالفه عند الحوار: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ).

أما من رد على د. الجديع ، فكأني به يقول للقارئ منذ الصفحة الأولى: (سترى أنني على حق تام، وأن الآخر ليس له من الصواب أي نصيب..) إلخ ذلك.. فبالله عليك، أيهما أولى بالتقدير من القارئ؟
وما أعجب له حقا أن من يرد بهذا الأسلوب يغفل عادة عن تقدير الأصناف المحتلفة من القراء. فمن المفروض أن يفرق الناقد بين:
1- القراء الذين يميلون أصلا إلى قوله،
2- والذين يميلون أصلا إلى قول الكاتب،
3- والذين لم يميلوا لرأي دون آخر بعد.

فعندما ينقد الناقد الكتاب بادئا بتوجيه أحكام التضليل والجهل وسائر أنواع الشتيمة أو الحط من القيمة العلمية للكاتب، فإنه بدون أن يشعر نقل معركته من ساحة محدودة بينه وبين الكاتب، إلى ساحة أوسع تشمل شريحة لا يمكن تحديد عددها، تضم كل القراء (أو أغلبهم) من الصنف الثاني المائل أصلا إلى رأي الكاتب، أو المعجب بكتاباته. وكلما قرأ قارئة من هذه الصنف عبارة جارحة أو قادحة، شعر بأنها موجهة إلى قلبه وعقله وشخصه هو أيضا. فهل هذا هو ما يبحث عنه الناقد؟ أم أنه يريد إقناع أكثر عدد ممكن من القراء بصواب نقده؟

لذلك، فعندما يعزل الناقد الفكرة عن كاتبها، ثم ينقد الفكرة فقط، فإنه بذلك يضمن إلى (أبعد حد ممكن) عدم استفزاز مشاعر هذه الشريحة من القراء، من خلال إشعارهم بعدم وجود معركة شخصية معهم.

وهذا مقطع فيديو للدكتور/ سعد الدين هلالي أستاذ الفقه المقارن حول “هل الأغاني و الموسيقى حرام أم حلال؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s