يمانيون: شيخ الإسلام الإمام الشوكاني

Posted: 2 يناير 2012 in مقالات أدبية, مقالات إسلامية, مقالات تاريخية, مقالات سياسية, يمانيون, شخصيات وتراجم

هو الإمام العلامة الرباني والسهيل الطالع من القطر اليماني إمام الأئمة ومفتي الأمة بحر العلوم وشمس الفهوم سند المجتهدين الحفاظ فارس المعاني والألفاظ فريد العصر،نادرة الدهر. شيخ الإسلام وقدوة الأنام علامة الزمان ترجمان الحديث والقرآن . علم الزهاد أوحد العباد ، قامع المبتدعين آخر المجتهدين ،رأس الموحدين تابع المتبعين صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها قاضي قضاة أهل السنة والجماعة . شيخ الرواية والسماعة ، عالي الإسناد السابق في ميدان الاجتهاد على الأكابر الأمجاد المطلع على حقائق الشريعة ومواردها العارف بغوامضها ومقاصدها الشيخ محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني ثم الصنعاني .

ولصاحب الشرح الشوكاني رحمه الله تعالى كتاب في التاريخ سماه” البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن التاسع” ذكر فيه ترجمة نفسه ونسبه إلى آدم . ولد في وسط نهار الاثنين الثامن والعشرين من شهر ذي القعدة سنة 1173 هجرية في بلده هجرة شوكان وتوفي رحمه الله ليلة الأربعاء السابع والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة 1255 . قال صاحب الترجمة في كتابه البدر الطالع عند ذكر نسب والده . وعرف (أي والده) في صنعاء بالشوكاني نسبة إلى شوكان وهي قرية من قرى السحامية إحدى قبائل خولان بينها وبين صنعاء دون مسافة يوم وهو أحد المواضع التي يطلق عليها شوكان : قال في القاموس وشوكان موضع بالبحرين وحصن باليمن وبلدة بين سرخي وابيورد منه عتيق بن محمد بن عنيس وأخوه أبو العلاء عنيس بن محمد الشوكاني اهـ . ونسبة صاحب الترجمة إلى شوكان ليست حقيقية لأن وطنه وطن سلفه وقرابته بمكان عدني شوكان بينه وبينها جبل كبير مستطيل يقال له هجرة شوكان فمن هذه الحيثية كان انتساب أهله إلى شوكان والله أعلم .

* نشأته وطلبه العلم:

نشأ رحمه الله تعالى بصنعاء وتربى في حجر أبيه على العفاف والطهارة وأخذ في طلب العلم وسماع العلماء وفرغ نفسه للطلب وجد واجتهد فقرأ القرآن على جماعة من المعلمين وختمه على الفقيه حسن بن عبد الله الهبل وجوده على جماعة من مشائخ القرآن بصنعاء ثم حفظ الأزهر للإمام المهدي في الفقه ومختصر الفرائض العصيفري والملحة للحريري والكافية والشافية لابن الحاجب والتهذيب للعلامة التفتازاني . والتلخيص في علوم البلاغة للقزويني والغاية لابن الامام وبعض مختصر المنتهى لابن الحاجب في أصول الفقه ومنظومة الجزري في القراءات ومنظومة الجزار في العروض وآداب البحث والمناظرة للإمام العضد. ورسالة الوضع له أيضا . وكان حفظه لبعض هذه المختصرات قبل شروعه في الطلب وبعضها بعد ذلك ، وقبل شروعه في الطلب كان كثيرا الاشتغال بمطالعة كتب التاريخ ومجاميع الأدب من أيام كونه في المكتب فطالع كتبا عدة ومجاميع كثيرة ثم شرع في الطلب والسماع والتلقي من أفواه الرجال إلى أن فارقه أجله ولقي ربه رحمه الله تعالى ورضي عنه.

* مشايخه الذين أخذ عنهم العلم سماعا وقراءة :

قرأ رحمه الله على والده شرح الأزهار ، وشرح الناظري لمختصر العصيفري ، وقرأ شرح الأزهار أيضا على السيد العلامة عبد الرحمن بن قاسم المدائني ،والعلامة أحمد بن عامر الحدائي ، والعلامة أحمد بن محمد الحرازي وبه انتفع في الفقه وعليه تخرج وطالت ملازمته له نحو ثلاث عشرة سنة وكرر عليه قراءة شرح الأزهار وحواشيه وقرأ النحو عليه بيان ابن المظفر وشرح الناظري وحواشيه وفي أيام قراءته في الفروع شرع في قراءة النحو فقرأ الملحة وشرحها على السيد العلامة إسماعيل بن الحسن بن أحمد بن الحسن ابن الإمام القاسم بن محمد ، وقواعد الإعراب وشرحها للأزهري والحواشي جميعا على العلامة عبد الله بن اسماعيل النهمي ، وشرح السيد المفتي على الكافية على العلامة القاسم بن يحي الخولاني والعلامة عبد الله بن اسماعيل النهمي وأكمله من أوله إلى آخره على كل واحد منهما ، وقرأ شرح الخبيبي على الكافية وحواشيه على العلامة عبد الله بن اسماعيل النهمي من أوله إلى آخره وكذلك قرأه من أوله إلى آخره على شيخه العلامة القاسم بن يحي الخولاني ، وقرأ شرح الجامي على الكافية مع ما يحتاج إليه من الحواشي على السيد العلامة عبد الله بن الحسين بن علي ابن الامام المتوكل على الله إسماعيل من أوله إلى آخره. وقرأ شرح الرضى على الكافية على العلامة القاسم بن يحي الخولاني وبقي منه بقية يسيرة ، وقرأ شرح الشافية للطف الله الغياث جميعا على العلامة القاسم بن يحي الخولاني ، وقرأ شرح ايساغوجي للقاضي زكريا على العلامة عبد الله بن اسماعيل النهمي جميعا ، وشرح التهذيب للشيرازي واليزدي على شيخه القاسم الخولاني من أولهما إلى آخرهما . وشرح الشمسية للقطب وحاشيته للشريف على شيخه العلامة الحسن بن اسماعيل المغربي واقتصر على البعض من ذلك ، وشرح التلخيص المختصر للسعد وحاشيته للطف الله الغياث على العىمة القاسم بن يحي الخولاني جميعا ما عدا بعض المقدمة فعلى العلامة علي بن هادي عرهب …

من آثار علمه:
1) اتحاف الأكابر باسناد الدفاتر ( مطبوع )
2) أدب الطلب ومنتهى الأدب ( مطبوع)
3) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ( مطبوع )
4) البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع ( مطبوع )
5) تحفة الذاكرين شرح عدة الحصن الحصين للجزري تحقيقه ( مطبوع )
6) الدر البهية في فقة السنة ثم شرحها بالدراري المضيئة ( مطبوع )
7) الفتح الرباني في فتاوى الشوكاني (مطبوع )
8) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير خمسة مجلدات( مطبوع )
9 ) زهرة النسرين الفاتح بفضائل المعمرين ( مطبوع)
10 ) السبل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار في أربعة أجزاء ( مطبوع )
11) الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ( مطبوع )
12) نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار لأبن تيمية (6) ( مطبوع )
13) در السحابة في مناقب الصحابة ( مطبوع)
14) ديوان شعر ( مطبوع)
15) مجموعة رسائل في الفقه في مواضيع متفرقة مثل (إشراق النيرين في الحكم إذا تخلف أحد الخصمين

أبحاث في فكر الإمام الشوكاني:

الفكر السياسي والقانوني عند محمد بن علي الشوكاني كتاب للدكتور زياد علي
د.عبد العزيز المقالح
من العسير على هذا التقديم أن يأتي بجديد في موضوع هذا الكتاب القادر على تقديم نفسه، وعلى الوصول إلى قارئه بسهولة ويسر.‏

وإذا كان الأمر كذلك، وهو فعلاً كذلك، فلماذا يريد صديقي الدكتور زياد علي أن يستولي هذا التقديم على الصفحات الأولى من كتابه؟‏

هل هي الصداقة الحميمة التي جمعتنا على مدى ثلاثة عقود من الزمن؟‏

أم لأنني أحد مواطني الإقليم العربي الذي خرج منه الإمام الشوكاني؟‏

أم ربما لأنني –وقد يكون هذا هو السبب الأساس- الشاهد الأول على العناء الشديد الذي لقيه زياد في سبيل جمع مادة هذا الكتاب والتصدي للإشكالات العديدة التي عرضت له في أثناء إعداد هذه الأطروحة قبل أن تتحول إلى كتاب.‏

وأياً كان الأمر فإنني سعيد بهذه الثقة وهذا التكليف، وسوف أحاول أن أجعل إشاراتي تقتصر في هذا التقديم على الإجابة الموجزة عن سؤالين اثنين هما:‏

أولاً: لماذا اختار الدكتور زياد علي الإمام محمد بن علي الشوكاني ليكون موضوعاً لدراسته؟‏

ثانياً: كيف استطاع هذا البحث المتميز أن يبلغ بجهد مؤلفه شأواً بعيداً من التجويد والدقة، وأن يكون فاتحة للتواصل العلمي بين شرق الوطن العربي ومغربه؟‏

والإجابة عن السؤال الأول تبدأ من حياة الشوكاني ومن منهجه وفكره الهادف إلى الإصلاح السياسي والديني، وهو ما يغري الباحث الجاد، ويمكنه من التقاط الملامح المشتركة بين هموم عصرنا وهموم الشوكاني، وكيف أن الشوكاني ابن القرن الحادي عشر الهجري.‏

والإجابة عن السؤال الأول تبدأ من حياة الشوكاني ومن منهجه وفكره الهادف إلى الإصلاح السياسي والديني، وهو ما يغري الباحث الجاد، ويمكنه من التقاط الملامح المشتركة بين هموم عصرنا وهموم عصر الشوكاني، وكيف أن الشوكاني ابن القرن الحادي عشر الهجري أدرك مجموعة من الحقائق عن المشكلات التي صنعت التأزم السياسي والاجتماعي لعصره وفي مقدمتها إغلاق باب الاجتهاد، والتحجر في فهم النصوص الدينية في ضوء المتغيرات، وانعزال العلماء وهم مثقفو تلك العصور عن المشاركة في التغيير وبناء حياة جديدة تقوم على أساس من الشرع والعدل، ولهذا لم يمنع انشغال الإمام الشوكاني بالفقه وممارسة القضاء عن محاولات الإصلاح السياسي، وقد أثبت قدرة في تحمل المسؤولية والتصدي للصعوبات التي عانت منها البلاد، وكان قبل أن يقبل المشاركة في الإصلاح قد أحسن تشخيص الواقع وأدرك أبعاد المعضلات التي يعاني منها الوطن العربي في عصره، والمتمثلة في الانقسامات المذهبية وما تعكسه من صراعات في حياة الناس تصرفهم عن العمل وتحشد قاعدة كبيرة من سكان المدن ومن سكان الريف أيضاً ليكونوا وقوداً للتعصب لهذا المذهب أو ذاك.‏

وتحت هذا السطح المذهبي تختفي وتتكون الانقسامات الطائفية والقبلية والعشائرية والعائلية ويتفتت الوطن الكبير إلى مجموعة من الأقاليم ثم يتفتت الإقليم بدوره إلى مجموعة من السلطنات والإمارات الفاقدة لأبسط المقومات، وما يترتب على هذه الانقسامات من ضعف يغري الطامعين ويفتح ثغور الأمة للغزو والاحتلال.‏

ولا ننسَ أن أوربا كانت في عصر الشوكاني تستعد للزحف على الوطن العربي، ولم يمنع التنافس القائم بين دولها المختلفة –حينذاك-من البدء في وضع الأسس الأولى للسطو على الشعوب الأخرى وسلب خيراتها، وكان في مقدور وميض الاجتهاد والتعرف على مواطن الخلل في الواقع العربي والإسلامي في عصر الشوكاني أن يشكل بداية ليقظة جديدة كما كان في مقدور ذلك الوميض أن يتحول إلى بداية نهضة فكرية، وإلى بداية عملية للتغير في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي أيضاً، إلا أن صوت الإمام الشوكاني ذهب أدراج الرياح كما ذهبت أصوات مصلحين آخرين جاؤوا من بعده وكانوا أعلام نهضة ممكنة الحدوث في أواخر القرن الماضي أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده اللذين قدرا على تلمس منافذ جديدة للحياة في العالم الجديد، وحاولا –مع تمسكهما بالثوابت الإيمانية- أن يضعا حداً لتداعيات الانهيار الفكري والسياسي. لكن التخلف الموروث القائم على إثارة الصراعات المذهبية نجح في إعاقة نمو أساليب التفكير الجديدة، وحال دون تحقيق الغايات التي استهدفت وضع حد للتغييب والتغريب ووجد الإنسان العربي نفسه بعد أكثر من مئتي عام من رحيل الشوكاني في ظرف بالغ التعقيد، لا من حيث عجزه عن استيعاب المطلقات الضرورية للتطور الفكري فحسب، وإنما في تعطيل قدرته على مواجهة أساليب تفكيك صلته بواقعه وتبرير تواصله مع ذاته التاريخية والحضارية.‏

لهذه الأسباب مجتمعة اختار زياد علي الفكر القانون والسياسي عند الإمام محمد بن علي الشوكاني موضوعاً لأطروحته التي تحولت إلى كتاب هو هذا الذي بين أيدينا.‏

ويلاحظ أن التوطئة الفذة التي قدم بها زياد الأطروحة تشكل تعريفاً شاملاً بهذا المفكر الجليل وبقدرته الفائقة على استيعاب مشكلات عصره بعيداً عن تزمت فقهاء ذلك العصر، وعن المبالغة في ترخصاتهم، ويلاحظ كذلك أن الدكتور زياد عندما اختار هذا الموضوع لم يكن مشغولاً أو مهتماً بأن يجعل القارئ يتذكر أهمية التواصل مع نصوص من تراثنا العربي والإسلامي القريب بقدر ما كان مهموماً ومشغولاً بهدف أكبر، وهو كيف يقدم إلى المعاصرين من أبناء أمته هذه النصوص التي لا تزال صالحة لظروفهم بالرغم من أنها ظهرت في أواخر الفترة المظلمة من عصور الانحطاط التي مرت بالمجتمعات العربية بعد غروب شمس الحضارة والازدهار.‏

وكان زياد يدرك جيداً –وهو يقترب من موضوع بحثه- أن إحياء الجوانب المضيئة في التراث والتواصل معها أمر بالغ الأهمية لأمة يراد لها أن تبتعد عن نفسها وتاريخها، فكيف إذا كانت هذه الجوانب من التراث لا تزال تنبض بالحيوية والقدرة على الإجابات الشافية عن الأسئلة التي يطرحها الحاضر بإلحاح بعد أن عادت المذهبية بأشكالها المتعصبة إلى الظهور في تحدِّ صارخ للعصر ومنجزاته ولكل ما يشع في العالم حولنا من معارف وعلوم واختراعات.‏

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الهجوم العنيف الذي تعرض له الشوكاني في حياته من المتعصبين والمخالفين له في الرؤية إلى المذهبية قد عادوا مجدداً مرتدين نفس الأثواب ومرددين نفس المزاعم والتخرصات، ومؤكدين بأقوالهم وأفعالهم أن التعصب هو آفة كل العصور، وخلاصة مواقفهم تقول اليوم –كما كانت تقول بالأمس- من ليس من مذهبي فهو عدوي ولا قيمة له ولا لأفكاره حتى وإن انحنت لها البشرية كلها إجلالاً وتقديراً.‏

وإذا كان الباحث في عصر الشوكاني يبدو قادراً على إرجاع تلك الخصومات والأحقاد التي عانى منها ذلك العلامة المجتهد إلى أنه ظهر في أواخر حقبة مظلمة وفي بلد أنهكته الحروب وأرهقته المذهبيات؛ فإنه عند رؤيته –لما يحدث الآن- من محاولات إنعاش الأحقاد ونبش القبور وإحياء الفتن ومضاعفة حالات التمزق الروحي والنفسي يقف عاجزاً قلقاً غير قادر على التحليل والتأويل.‏

هذا عن الإجابة على السؤال الأول.. أما حين نقترب من السؤال الثاني فإننا نجد أن الدكتور زياد قد التزم بأدق متطلبات البحث العلمي في دراسته، وأنه لم يهجم على موضوعه بلا مقدمات كما يفعل كثير من الباحثين المتعجلين لنيل الدرجات العلمية وإنما جاء إليه بعد بحث طويل ودراسة متأنية. وأجزم أن الدرجة العلمية –على أهميتها- لم تكن بالنسبة إليه هدفاً، وإنما البحث ونتائجه كانا هما الهدف. وإذا كان قد أحسن الاختيار وأجاد البحث؛ فإنه لم يصل إلى ذلك إلا بعد أن كان قد زار اليمن أكثر من مرة، وبعد أن تقاذفته المدن العربية من أول مكان عربي عند ماء الخليج إلى آخر مكان عربي عند ماء المحيط، يدرس، ويتأمل، ويقرأ في وجوه بني أمته الواحدة، ويقلب الرأي في مشكلاتهم المتشابهة، وحاجتهم إلى فكر معتدل مستنير، تنكسر على شواطئه الخصومات والخلافات السياسية والطائفية، التي جلبت على الأمة كل هذا البلاء وكل هذا الشتات. وما كتابه هذا –في تقديري- سوى صيحة عربية صادقة ضد الانعزالية، وضد انطواء كل قطر على نفسه وعلى دراسة أعلامه والمشهورين من أبنائه، وهي صيحة جديرة بالثناء لأنها جاءت في وقت استشرت فيه النزعة القطرية وبلغت في بعض الأقطار العربية مداها المؤسف والمخجل في عصر التكتلات الدولية وفي زمن التقارب بين الشعوب المختلفة والمتباعدة لغوياً وجغرافياً وتاريخياً.‏

وأخيراً فإن في قلب الأمة وفي أطرافها كنوزاً وذخائر من الأفكار والرجال جديرة بالاهتمام والدرس، نرتجي لها باحثين أمناء زاهدين في مطامع الحياة أمثال الصديق زياد علي الذي كنا وما نزال نتوقع منه المزيد، والله ولي التوفيق.‏

جريدة الاسبوع الادبي العدد 862 تاريخ 14/6/2003

 

معالم الفكر التربوي والفلسفي عند الإمام الشوكاني
إعداد الباحث / علي عبدالعزيز علي باعشن المدرس في قسم العلوم التربوية والنفسية جامعة حضرموت للعلوم والتكنولوجيا- اليمن
1-              الإطار العام لنشأة الشوكاني:

الحياة الخاصة :

هو محمد بن علي بن محمد بن عبدالله الشوكاني ، الخولاني ، الصنعاني . مفسر ، ومحدث ، وفقيه ، أصولي ، ومؤرخ ،وأديب ، ونحوي ، ومنطقي ، ومتكلم ، وحكيم ، من كبار علماء اليمن . ,ولد بهجرة شوكان من بلاد خولان في عام 1173هـ الموافق 1760م ونشأ في صنعاء ، حيث كان والده يعمل قاضياً بها وبوطنه الأصلي خولان ، وتلقى العلم على يد كبار علماء صنعاء أمثال السيد العلامة عبدالرحمن المداني ، والحداني ، والنهمي والحسن المغربي ، والعلامة عبدالقادر بن أحمد و آخرين كثيرين (1)

ظهر نبوغه بعد أن هضم ثقافة عصره ، وموسوعات الثقافة والتراث العربي الإسلامي وقد حفظ كذلك القرآن وجوّده ، وحفظ بالإضافة إلى ذلك عدداً كبيراً من المتون قبل أن يبدأ عهد الطلب ، ولم تتعد سنه العاشرة  ، ثم اتصل بالمشايخ الكبار ، وفي سن العشرين تصدر الإفتاء ، إذا كان يفتي لأهل صنعاء ومختلف المناطق اليمنية ، لذلك لم يسمح له أبوه بالاشتغال بغير العلم ، كذلك لم يسمح له بالانتقال من صنعاء (2)

أما دروسه فقد كانت تبلغ في اليوم  والليلة نحو(13) ثلاثة عشر درساً منها ما يأخذها عن مشايخه ، ومنها ما يأخذه عنه تلاميذه ، وذلك في مختلف الفنون والعلوم : كالحديث والتفسير والأصول والعروض والمعاني والبيان والمنطق والفقه والجدل وغيرها . أما مؤلفات الشوكاني المخطوطة فقد بلغ نحو (240 مؤلفاً) ، إضافة إلى نحو (30 مؤلفاً مطبوعاً) منها على سبيل المثال : فتح القدير في التفسير ونيل الأوطار في الحديث والبدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع ، وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ، والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ، والدر النضيد في إخلاص التوحيد . هذا بالإضافة إلى أجوبة وبحوث قصيرة مطبوعة وكذلك له بعض الشعر (3). توفى رحمه الله بصنعاء في عام 1250هـ الموافق 1894م.

——————————————————————————–

(1)  حسين عبدالله العمري . (1992) . الموسوعة اليمنية ، ص 828 .

(2)  محمد  علي  الشوكاني .(1993).الدراري المضيئة: شرح الدرر البهية في المسائل الفقهية، تحقيق: محمد صبحي حلاّق ،  مج 1، ص  24 .

(3)  المرجع السابق ، ص 38 .

  الحياة العامة :

عاش الشوكاني في المدة ما بين (1173 – 1250هـ ) ، وقد امتاز عصره بخصائص وأحداث بارزة تفاعل معها الشوكاني ، فأثر فيها وتأثر بها ، وعملت على تكوين شخصيته العلمية التي استطاعت أن تفيد ، بل بروحها التجديدية تجاوزت كثيراً من جوانب المنظومة المعرفية والفقهية لزمانه .

فقد اتسمت الحياة السياسية بعدم الاستقرار وكثرة الصراعات سواء أكان على المستوى المحلي أم العالمي ، وعاش الإمام الشوكاني في ضل الدولة الزيدية القاسمية ، في حين عاصر ثلاثة من أئمتها ، وهم  الإمام المنصور علي ، الإمام المتوكل على الله ، الإمام المهدي عبدالله بن الإمام المتوكل أحمد . والجدير بالذكر هنا أن الإمام الشوكاني تولى في عهد الإمام المنصور علي سنه 1209هـ منصب القضاء الأكبر حتى توفى عام 1250هـ  في عهد الإمام المهدي حفيد المنصور علي ، كما تولى في نفس الوقت منصب كاتب الإمام الذي يتولى كلا المراسلات الداخلية والخارجية باسم الإمام  (1).

أما الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فقد تدهورت الحياة الاجتماعية تدهوراً رهيباً ، حيث عرف المجتمع اليمني في هذا العصر ظلماً اجتماعياً كان سببه تعفن الجهاز الإداري وبعض الصراعات الداخلية ، في حين أن الوضع الاقتصادي كان الأسوأ على الإطلاق ، وكان مما يزيد الوضع الاقتصادي تأزماً لجوء بعض الأئمة لمواجهة الأزمات الأقتصادية التي تفاقمت بسبب فساد الإدارة وضغط الاضطرابات الداخلية والأحداث الخارجية إلى زيادة الضرائب ، واستحداث ضرائب جديدة ، والتغيير المستمر في العملة والتلاعب بقيمتها . ولقد انتقد الشوكاني هذه السياسة الاقتصادية فحاول تشخيص تلك الأحوال في كتاباته ، حيث عزا ، تدهورها إلى الابتعاد عن حقيقة الإسلام وهجر ما يدعو إليه من عدالة اجتماعية ، كما حاول رسم سياسة اقتصادية محكمة يتحقق من خلالها العدل، ويدفع بها الظلم الاجتماعي ، إلا أنه فشل في تطبيقها بسبب بعض من ضعفاء النفوس الذين كانت بيدهم مقاليد الحكم (2)

في حين أن الأحوال الفكرية والدينية كانت أحسن حالاً وخاصة الفكرية على الرغم من طغيان عنصري التعصب والتقليد على البيئة العلمية اليمنية ، فإن حركة التأليف والإنتاج الفكري كانت مزدهرة نوعاً ما في هذا العصر وساهموا مجموعة من العلماء المجتهدين في إثراء الإنتاج العلمي  (  1 )    وعن الأحوال الدينية فإن العصبية المذهبية والسلالية كانت سمت الفرق والطوائف الدينية المختلفة ، والتي كانت له معها موافقة الخاصة ، فكان ناقداً لجوانب الخطأ في مقولاتها ، ومزكياً لجوانب الحق والصواب من آرائها ومناهجها . وكان يدعو إلى التمذهب بالإسلام جملة وإلى عدم التعصب لأقوال العلماء أو الأئمة ، بل للكتاب والسنة (  2 )

وبصورة عامة ، يمكن القول بأن الإمام الشوكاني قد تفاعل مع عصره ومجتمعه حيث اتجه بقوة وإيمان راسخين لدراسة وتشخيص وعلاج الكثير من الظواهر السلبية ويحرم التقليد على كل مسلم ليضع بذلك قدمه على طريق التفكير العلمي المتحرر من تسلط الجامدين.

——————————————————————————–

(1)  حليمة بو كروشة.(2002).    معالم المنهج الفقهي : انموذج الشوكاني ، ص 61.

(2)  الشوكاني .(1993) .مرجع سابق ، ص 20-21.

(1)  الشوكاني . ( 1993). مرجع سابق . ص 20- 21 .

( 2) ماهر القيسي وأمين الشيباني . (1997) . الأصول الفلسفية للتربية ، ص 200.

2 – آراؤه الفلسفية والتربوية

2- 1 الموجهات الرئيسة لمنهاج الشوكاني :

2- 1- 1  الذهنية التوفيقية :

   وتستخدم للدلالة على العمليات الفكرية الهادفة إلى تحقيق الأتفاق والوحدة بين أي فكرين أو عنصرين يراد ردها إلى حقيقة مشتركة وإزالة ما يبدو بينها في الظاهر . وقد حاول توظيفها في معظم ( المشروعات الشوكانية ) إذ تجده قد سمى تفسيره ( فتح القدير ، الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ) وهو بذلك قد جمع بين أكبر مدرستين للتفسير وهما: مدرسة التفسير بالأثر ، ومدرسة التفسير بالرأي (1) .

وهذه  قراءة واحدة فقط لذهنية التوفيق في أحد المشروعات بالرغم من أن بقية المشروعات تختزن داخلها طاقة توفيقية هائلة . وبشكل عام فالآليات الداخلية التي كان يستعملها الشوكاني في مشروعاته العلمية كانت تميل إلى التوفيق بين المدارس المشهورة في تلك العلوم ، وإقامة المصالحة بين العناصر المتضادة ، وإزالة ما بينها من تضاد .

2- 1- 2  الاندفاع للتحرر العلمي :

إن من أبرز المواجهات التي حددت للشوكاني منهجه هي ذم التقليد وكثرة تبرمه من المقلدة والجمود العلمي عموماً والفقهي خصوصاً فقد تعلق الشوكاني بالاجتهاد وحث عليه طلبة العلم ونصحهم بمجانبة التقليد ، وقد ألف عدة رسائل خاصة في هذا الموضوع منها ( القول المفيد في حكم التقليد ) و( أدب الطلب و منتهى الأرب ) أي ما ينبغي لطالب العلم اعتماده والتحلي به في إيراده وإصداره وابتدائه وانتهائه وما يشرع فيه ويتدرج اليه حتى يبلغ مراده (2).

2- 1- 3 ثراء الإنتاجية :

نستطيع القول بكل ثقة أن الشوكاني كان يمتلك طاقة إنتاجية مرتفعة نسبياً كانت تعود إلى التنوع العلمي الذي كان من أبرز ملامح شخصيته العلمية إذا أن كمية مؤلفاته تعد مؤشراً مهماً على ارتفاع معدل الإنتاجية عنده ، إذ لا يكاد يوجد فن من الفنون التراثية إلا وله مؤلف داخل ذلك الفن (3)

وهذا التنوع الهائل له تأثير في زيادة الطاقة الإنتاجية التي كانت خلفية بارزة للعقل الشوكاني ومن خلال التركيز على هذه الموجهات يستطيع الشخص قراءة منهاج الشوكاني وتفسير الخطاب واستقرا معطياته والوصول إلى الغايات واستخلاص النتائج والعبر .

2-2  الطبيعة البشرية :

        يرى الشوكاني أن الطبيعة البشرية محايدة ولها قابلية التشكيل نحو الخير أو الشر أي أن الاتجاهات تتشكل من البيئة التي يعيش فيها الإنسان وقد ميز الشوكاني الإنسان عن الحيوان وذلك بفضل نفخ الروح الإلهية في جسده المادي كما أن الإنسان يتكون من ثلاثة عناصر هي : الجسم والعقل والروح ، وبين أن العقل ألصق بالروح منه بالجسد ومن الرؤى الأخرى التي قدمها حول الطبيعة البشرية هي  (1)  :

•        طبيعة الإنسان أنه كفور غير شكور هذا باعتبار غالب الجنس البشري .

•        طبيعة الإنسان أنه ظلوم وهو ظلوم لنفسه باغفاله شكر نعم الله جاحد لها .

•        الطبيعة البشرية تتسم بالفرح والخير والنفوس البشرية مجبولة على السرور بالخير والنفور عن الشر .

•        طبيعة الإنسان السهو والغلط والنسيان .

•        حب المال من طبيعة الإنسان .

2- 3  المعرفة :

           يرى الشوكاني أن المعرفة مكتسبة أنها تتطور وتنمو مع الزمن وتعرض الشوكاني لمفهوم العلم حيث بين أن هناك قوانين كلية في كل علم من العلوم تندرج تحتها مفردات ذلك العلم . كما يرى الشوكاني أن السبيل إلى المعرفة الحقه هو التحرر من سلطان هالة الأشخاص عن طريق البحث الدقيق عن دليل كل رأي من آرائهم ، عملاً بالقاعدة ( أعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال ) ويؤمن الشوكاني أن الحواس هي أدوات المعرفة كما ينظر إلى العلوم نظره شمولية تتسع لكل أنواع المعرفة لذلك نجده  يدافع عن تعلم العلوم الفلسفية فيقول : أن العلم بالعلوم الفلسفية لا ينافي علم الشرع ومحبته له . ولقد انتهي الإمام الشوكاني إلى ما انتهى إليه الغزالي وإبن رشد في إثبات تصور علم الكلام في إكساب المشتغل به الإيمان بسبب طبيعته الجدلية (2) .

2- 4 علاقة الفرد بالمجتمع :

           يرى الشوكاني أن الفرد المسلم له أدواره الإيجابية في خدمة المجتمع وتطوير وصفه وتغيير أحواله السيئة بما يتفق مع تعاليم الإسلام ، إذ أن الفرد لا يستغني عن المجتمع فعلاقته تعاونية تهدف إلى تحصيل المصالح الدينية والدنيوية له وللآخرين وهو لذلك يدعو إلى التعاون والتعاضد والإخاء ويحث الفرد على القيام بأدواره الاجتماعية وفي توظيف المعرفة والعلم في خدمة المجتمع كما أن موقفه كان مناصراً للمرأة وذلك لما اكتشفه من مظالم تقع عليها من خلال اشتغاله بالقضاء وخاصة فيما يتعلق بالميراث والتصرف في مالها  (1) .

——————————————————————————–

(1)   إبراهيم عمر السكران (2001) ، الموجهات المركزية لعلامة اليمن : خطاب الإمام الشوكاني ، ص 88 – 89 .

(2)  محمد علي الشوكاني . (1979) . ادب الطلب ومنتهى الارب . تحقيق مركز الدراسلت والابحاث اليمنية .

(3)  السكران . (2001) ، مرجع سابق ، ص 92 .

(1)  القيسي والشيباني . (1997) . مرجع سابق ، ص 202 – 203.

(2)   المرجع السابق ، ص 204.

(1)   المرجع السابق ، ص 205 . 3-     مفهوم التربية وأهدافها :

التربية عند الشوكاني أداة فعالة لتغيير السلوك ، كما أنها يمكن أن تسير في تغيير السلوك نحو أحد اتجاهين : الاتجاه المحمود ونقيضه الاتجاه المذموم ، وهنا إشارة إلى إبليس ومشاركته للإنسان في الأموال والأولاد ، أما الاتجاه المحمود ، فهو كل من لديه إمكانية التأثير في السلوك كزعماء الإرشاد وذوي الاجتهاد وغيرهم

كما حدد الشوكاني غاية التربية الرئيسة وهي الإنسان العابد المحب لله سبحانه وتعالى ولرسوله (صلى الله عليه وسلم ) وهو المظهر العملي لمحبة الإنسان المسلم لربه ، وفي مجال آخر يقول الشوكاني ” من أعظم محبة الله عز وجل ودلائل صحتها إتباع رسول الله (e) في أقواله وأفعاله والافتداء به والاهتداء بهديه الشريف ” (1) . في حين تنبثق عن هذا الهدف الرئيس للتربية أهداف فرعية يمكن توضيحها فيما يلي:

3- 1 التربية الروحية :

وتتجسد في مقاصد القرآن الكريم الثلاثة : إثبات التوحيد ، وإثبات المعاد وإثبات النبوات ، كما يؤكد الشوكاني أنه في إطار التربية الروحية إلى ممارسة الدعاء والاستعاذة من شر القضاء كما يؤكد أيضاً على تلاوة القرآن فضلاً عن تدبر آياته وأحكامه ، كذلك أكد على الأذكار كالتسبيح والتحميد والتكبير كما أنه يرى أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين القلب وبين أنماط السلوك فيشكل السلوك بحسب أوضاع القلب نوراً أو ظلاماً (2)

3- 2 التربية الخلقية :

تدور التربية الخلقية حول الصفات التي تمثل انعكاساً لحياة المسلم الإيمانية والروحية ، حيث حذر من شبوع القيم المذمومة كالغيبة والنميمة وتجنب البخل وأخذ الرشوات ومجالس السوء , كما يرى الشوكاني أيضاً وفي إطار التربية الخلقية عدم التسرع في الحكم على الجماعات بناءً على ملاحظة سلوك أحد أفرادها أو حتى عدة أفراد منها (3)

أما الأخلاق الحسنة فهي معاملة الجار بطيبة وعدم الأضرار به فينبغي قيام العلاقة الطيبة بينهما . كما أكد أيضاء على تكريم الطعام وعدم تعريضه للإهانة وتقديم كبار السن في المجالس والكلام وغيرها من الصفات التي يستوجب على المسلم التحلي بها .

3 –3  التربية العقلية :

تعتبر دعوة الشوكاني عموماً ثورة علمية تجدها بارزة في معظم مؤلفاته وقد مارس المنهج العلمي في التفكير خلال تعليمه طلبة العلم ، فصار علماً من أعلام المجتهدين وأكبر داعية إلى ترك التقليد وأخذ الأحكام اجتهاداً من الكتاب والسنة (1) كما يحث الشوكاني العقل المسلم في سلوكه المعرفي على البحث عن الدليل والتحرر من تأثير الهالة لأصحاب الآراء كما يرى ضرورة انفتاح العقل الإسلامي على مختلف فنون العلم .

3- 4 التربية البدنية :

ولا تعد التربية البدنية غاية في ذاتها وإنما وسيلة لإعداد الأجسام للجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله كما يرى لزوم تربية المسلم التربية اللازمة بما تتضمنه من أجهزة تستهدف إعلاء طاقاتها من خلال تربية الشباب على علو الهمة ورفعة المشاعر وقوة الإرادة وغيرها (2) .

4-   معالم التربية الأساسية :

4- 1 الطالب :

الطلاب قسمان قسم يسكن المدينة ، وبما أن المدينة صغيرة فالتواصل بين أحيائها سهل جداً فلا يحتاج الطالب إلى وسيلة مواصلات والقسم الثاني من خارج المدينة وهؤلاء يسكنون مساكن مجانية تابعة للمسجد تسمى ( منازل ) وهي بسيطة متواضعة جداً لكنها تؤدي الفرض ولا يدخلها الطالب إلا للنوم أو الأكل إذ أنه يقضي معظم زقته في المسجد (1)

وقسم الشوكاني الطلبة إلى أربع طبقات تختلف باختلاف الأهداف المرجوة والغايات التي يبتغيها الطالب من دراسته وهي (2) :-

–         الطبقة الأولى : تبتغي العلم للعلم وهي قمة الطوائف الأربع .

–   الطبقة الثانية : والتي تطلب العلم لتستغني به عن سؤال العلماء ولكنها لا تصل إلى درجة إفناء الغير .

–   الطبقة الثالثة : التي تطلب العلم إلى مستوى معين لا يمكنها من الاستغناء عن سؤال العلماء في العلوم التي حصلتها إذا فهي أقل تمكناً من سابقتها .

–   الطبقة الرابعة : وهي تستهدف إتقان علم من العلوم أو علمين لفرض ديني أو دنيوي وتنشد من وراء ذلك الاشتغال في حرفة معينة مثل الطب أو المحاسبة وغيرها .

ويحدد الشوكاني وصايا عامة وخاصة لطلابه فمنها ترك التقليد وسلوك طريق الاجتهاد ونبذ التعصب وأخذ العلم من ذوي الاختصاص . كما وصى طلبته خاصة بإخلاص النية والابتعاد عن المعاصي والعمل بما يعلمون كما أوصاهم بأن يبذلوا مزيداً من الجد والاجتهاد لأجل تواصل الإبداع الفكري كما أن الشوكاني لا يرى أية تناقض في دراسة المسلم للعلوم الأخرى والثقافات المختلفة ولكنه يدرسها بعد أن يترسخ قدمه في الإسلام وعلومه (3)

4 – 2   المعلم :

استخدم الشوكاني لفظة (المسلم الرباني) ، بمعنى المعلم ، فهو المؤدب ، والنافع للعباد والمعلم للخير وأن الربانيين أرباب العلم ومفردة رباني من قوله ربه ، يربه فهو ربان إذا دبّره وأصلحه ، فمعنى الرباني العالم بالدين القوي المستمسك بطاعة الله ، العليم الحكيم ويصبح معنى كونوا ربانيين كونوا معلمين بسبب كونكم علماء وبسبب كونكم تدرون العلم  (1)

وقد كان المعلم يحصل على راتب مجزٍ وكذا مساعديه حيث أن كل معلم يعتمد عن نفسه في نفقاته وكذلك فهم يحصلون على هدايا من المسؤولين وغيرهم ، إلا أن بعض المعلمين كانوا ينشغلون بأمور دنياهم فيقل بذلك عطاؤهم ولذلك فإن المعلم السئ أو الضعيف ينفر منه الطلبة إذا كان معيار التقويم للمعلمين هم الطلبة وليس غيرهم أما المعلم الكفء ذو الأخلاق العالية يحبه الطلبة ويقبلون على دروسه إقبال طيباً (2)

وعليه فإن الأمام الشوكاني حمل المعلم مسؤوليات متعددة يقف في طليعتها القيام بتعديل سلوك المتعلم وتنميته وهنا يركز على نقطة مهمة وهي الفروق الفردية إذا أن الناس يختلفون فيما بينهم في إفهامهم ومدركاتهم لذلك تجده يحث المربي على مراعاة استعدادات وقدرات كل متعلم على حده بحيث يبلغ به أقصى ما يمكن أن توصله إليه قدراته واستعداداته من مستويات التعلم (3).

وفي ضوء ذلك يتضح أن الرباني (العالم) هو الذي يسلك مسلك التدرج في التربية والتعليم من السهل إلى الصعب ومن البسيط إلى المعقد وأنه هو الذي يقوم بتعديل السلوك وتنميته من خلال التأديب والإصلاح وأنه كذلك الذي يقوم يربط العلم بالعمل ومن صفات هذا المعلم الرباني القوة الإيمانية والروحية والجسمية والعقلية والاجتماعية وكذلك لا يصح أن يكون معلماً ربانياً وهو في معزل عن طاعة الله عزوجل .

4 – 3 المنهاج الدراسي :

تفاوتت نوعية الكتب التي كانت تدرس في عصر الشوكاني وخاصة التي تدرس منها في الجامع الكبير  وذلك بحسب الوضع السياسي لصنعاء والذي بدوره تفاوت بين السنة والشيعة والباطنية والزيدية وإن كانت السنة هي الغالبة .

وعندما نتحدث عن الكتب فإنه قد يتبادر إلى الذهن الكتب المعروفة في أيامنا شكلها الجذاب وطباعتها الأنيقة وتجليدها الفاخر ، إلا أن العكس صحيحاً ،  أي أن الكتاب كان عزيزاً ونادراً وكان مكتوباً بخط اليد وعلى العموم فهي غير متوفرة بيد الطلبة ولكنهم غالباً ما يجدون بغيتهم في مكتبة المسجد إذا كان فيها الكثير من الكتب الموقوفة (4) .

أما البرنامج أو المنهاج الدراسي الذي اقترحه الشوكاني لكل طبقة من طبقات تقسيمه الأربع ، هو كما يلي : (1) (2)

4-  3 – 1 برنامج الطبقة الأولى :

وتبدأ الفئة الأولى بدراسة علوم النحو وأثناء دراسة النحو يحبذ دراسة مختصرات المنطق على يد الشيوخ وذلك بالتركيز على مباحث التصورات والتصديقات كي يستعينوا بها على فهم مباحث علم النحو ذات الطابع المنطقي . وبعد ذلك ينتقل الطالب إلى دراسة علم الصرف . وهنا يركز على أسلوب الحفظ الذي يعتبره ضرورياً للتمكن من علم الصرف وأثناء دراسة الصرف يلزمه بدراسة فن الوضع وفن المناظرة وما أن تثبت ملكة الطالب في علمي النحو والصرف حتى ينتقل الطالب إلى حفظ  مختصرات علم البيان والمعاني ثم مؤلفات اللغة المشتملة على مفرداتها .

وبعد دراسة النحو والصرف والبيان والمعاني يبداً في دراسة علم المنطق والذي حدد الشوكاني أهدافه بتحقيق مزيد من الإدراك وكمال الاستعداد عند ورود الحجج وتنمية البصيرة .

ثم بعد ذلك ينتقل الطالب لدراسة علم أصول الفقه  ثم علم التفسير كما أنه يوصي طالب العلم بدراسة علم السنة من خلال سماع مؤلفات فنون الأحاديث المقطوعة الأسانيد ودراسة شروحها ودراسة مؤلفات الجرح والتعديل .

وفضلاً عما تقدم فإن الشوكاني يقترح فيما إذا انتهى الطالب من دراسة العلوم السابقة أن يقوم بتوسيع أفقه العلمي والثقافي من خلال قراءة كتب التاريخ ودراسة الشعر العربي الجيد إضافة إلى دراسة العلوم الطبيعية .

4- 3 – 2  برنامج الطبقة الثانية :

ويحدد أوصاف هذه الفئة من الطلبة بالتي تستغني بما اكتسبته من العلم عن غيرها ، ولكنها لا تصل إلى رتبة إفتاء الغير أو درجة الإمامة . وهنا يركز الشوكاني على أساس مهارات التعلم الذاتية والتي تهيئ له فرص الاستزادة فيما إذا احتاج  إلى معرفة معينة .

ويصف الشوكاني علم هذه الطبقة بأنه العلم الوسيط فهو قدر كافٍ من العلم في كل فن (أعرف شيئاً عن كل شئ) . مع اكتساب أفرادها مهارات الاجتهاد والقدرة على فهم مختلف العلوم دون حاجة إلى الغير .

في حين حدد الشوكاني المواد بعلم النحو والصرف وعلم المعاني والكلام وعلم الأصول وعلم التفسير . ثم أضاف ثلاثة علوم هي علم اللغة وعلم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل حيث أن لكل علم منها أهدافه الخاصة كما أنه يكفي المتعلم أخذ قدرٍ يسيرٍ من تلك العلوم .

4- 3 –3 برنامج الطبقة الثالثة :

ويصفها الشوكاني بالتي لا تستغني عن سؤال العلماء وما تكتسبه من معلومات ومهارات لا يؤهلها للاستقلال كما هو حال الطبقة الثانية وهي بذلك تحتاج أي حد أدنى من المعرفة توصل المتعلم إلى فهم ما يريد الاطلاع عليه في علم ما وإن وجد نفسه عاجزاً سأل أهل العلم في تلك المسألة .

وحدد الشوكاني المواد بعلم الإعراب وإن يستخدم طريقة السؤال الذي يقود إلى الفهم وكذلك تعلم اصطلاح الحديث . ثم يشتغل المتعلم بسماع تفسير من التفاسير التي لا تحتاج إلى تدقيق وتحقيق والملاحظ في منهج هذه الطبقة أنه مركز حول العلوم الشرعية واللغوية التي تمكن صاحبها من الاستعباد لأحكام الله سبحانه وتعالى وتطبيقها كما أنه أسلوب الدراسة هنا هو القراءة والتدريب والسؤال .

4- 3 –4 برنامج الطبقة الرابعة :

ويصفها الشوكاني بالتي تريد التخصص والإتقان لعلم أو علمين أو أكثر لغرض ديني أو دنيوي ودونما رغبة في الإحاطة بالعلوم الدينية والشرعية مثل :

–         الشاعر ، وعليه تعلم النحو والمعاني والبيان وعلم البديع .

–         الفيلسوف وعليه تعلم العلم الرياضي والعلم الطبيعي والعلم الإلهي وعلم الهندسة .

–   الطبيب وعليه تعلم ثلاثة مجالات في علم الطب وهي : المفردات والمركبات والعلاجات . وإن أنفع الكتب هي كتب جالينوس .

وفي ضوء ذلك المنهاج الدراسي الذي حدده الشوكاني فإنه كذلك قد بين لنا نماذج للكتب التي ينبغي على طالب العلم دراستها لتحقيق ذلك المنهاج والاستفادة منه وهي : صحيح البخاري و صحيح مسلم و سنن الترمذي  و وموطأ مالك و شفاء عياض و سنن النسائي و سنن ابن ماجه و سنن أبي داود و المنتقى لابن تيميه و شرح بلوغ المرام و  فتح الباري و شفاء الأمير و البحر الزخار و ضوء النهار و الكشاف وحاشيته السعد الأزهار و مختصر الفرائض للعصيفري و الكافية والشافية لابن حاجب و التهذيب للتفتازاني و منظمة الجرزي في العروض و آداب البحث في العضد و قواعد الإعراب وشرحها للأزهري و الكامل و شرحه لابن لقمان وغيرها  (1)

4 –4 طرائق التدريس :

حدد الشوكاني في العديد من كتبة عدداً من أساليب التعلم وطرق التدريس نذكر منها ما يلي(2) :

4 –4 –1 المباحثة :

وقد تحدث الشوكاني عنها في أكثر من موضع خاصة مباحثات شروط الصلاة الجمعة وقد اشتملت على رسائل .

4 –4 – 2 المناظرة :

ويقول عنها : أن منهج الحق واضح المنار يفهمه أهل العلم ويعرفون بداهيته ولا سيما المناظرة .

4 –4 –3 القراءة والسماع و الإجازة :

وهو حث طالب العلم على القراءة وأما السماع فينبغي سماع لفظ الشيخ وهو إملاء وغيره , والإيجاز فأن طالب العلم يستجيز العالم أن يسأله أن يجيزه علمه فيجيزه إياه .

4 –4 –4 السؤال والجواب :

وهو سؤال المتعلم للعالم وسؤال المتعلم لله عزوجل أن يفتح عليه والجواب أن يقوم المتعلم بالرد على السائلين سواء أكان من طلبة العلم أم العلماء .

4 –4 –5 الوجادة :

وهو تعلم كتب الشيوخ الذين لا يتواجدون في بلد المتعلم والوجادة مصطلح يستخدم عادة للدلاله على أن يقف المتعلم على أحاديث بخط راويها غير المعاصرين له أو المعاصر له ولم يسمع منه مباشرة أو سمع منه ولكن لا يرويها الواحد عنه بسماع أو إجازة .

4- 4- 6 المذاكرة :

أي تداول المعلومات وتذكير كل للآخر بما لديه من مسائل عن موضوع ما .

4 –5  وسائط التربية :

               وتتعدد وسائط التربية عند الشوكاني لتشتمل (1) (2)

4- 5 –1 الأسرة :

               حيث يرى الشوكاني أن الأبوين يشكلان وسطاً تربوياً فعالاً لأطفالهما .

4- 5- 2 المسجد :

كذلك أكد الشوكاني على دور المسجد الفعال . وهو سلاح ذو حدين ، إذا استخدمه المتعصبون وقع المجتمع في فرقة وشقاق ، إذا استخدامه العلماء ربوا الشعب على الإنصاف . ولهذا لم يفارق الشوكاني الجامع الكبير في صنعاء رغم أذية المتعصبين .

4- 5- 3  المدرسة :

تحدث الشوكاني عن الآثار التربوية والتعليمية التي أحدثها المقلدون في حلقات المسجد والمدارس وذلك في سياق حديثة عن محاربتهم لدراسة (صحيح البخاري) و(السنن الأربع) زاعمين أن من درسها فهو ليس من اتباع أهل البيت .

4- 5 – 4 المجتمع :

يؤثر المجتمع سلباً أو إيجاباً على أفراده إذ أنه قد يتوافق مع قيمة واتجاهاته مع قيم اتجاهات الأسرة وقد يتناقض معها . كما أشار الشوكاني وإلى الرأي العام بما فيه من إيحاءات وإيماءات يؤثر على اتجاهات الطفل .

4 –5 –5 شلة الرفاق :

يرى الشوكاني أن من أراد إعادة تشكيل سلوكه من أفراد المجتمع فعلية بمفارقة شلة السلوك السيئ والالتحاق بشلة رفاق جديدة تمارس أنماط السلوك التي يريد اكتسابها

4- 5- 6 الدولة وأجهزتها :

أن ما تؤمن به الدولة من أفكار ومعتقدات فإنها تؤثر تأثيراً مباشراً على الناشئ.

4- 5- 7 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

وهذا يعتبر وسيطاً وسياجاً للعملية التربوية التي تلتزم بفلسفة الإسلام ومنهجه التربوي إذ أنه يتعدل سلوك الأفراد بفعل التوجيه الذي يقوم به من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .

4-5- 8 السجون :

كذلك تعد السجون وسط يعد فيه سلوك المجرمين ويدفعهم لإيقاف اتجاهاتهم السلبية وإلى تنمية اتجاهاتهم الإيجابية .

——————————————————————————–

(1)  القيسي والشيباني . (1997) . مرجع سابق ، ص 206 .

(2)   المرجع السابق ، ص 207  .

(3)   المرجع السابق ، ص 208  .

(1)   الشوكاني . (1993) . مرجع سابق ، ص 25 .

(2)   القيسي والشيباني . (1997) . مرجع سابق ، ص 210 .

(1)  حمود بن علي  منصور . (2001) . الحلقات التعليمية في عصر الشوكاني ، ص 24.

(2)  للمزيد أنظر : محمد علي الشوكاني ، أدب الطلب ومنتهى الأرب . تحقيق مركز الدراسات والابحاث اليمنية .

(3)  القيسي والشيباني . (1997) .  مرجع سابق ، ص 214- 215 .

(1)   المرجع السابق ، ص 213 .

(2)   منصور . (2001) . مرجع سابق ، ص 23.

(3)   القيسي والشيباني . (1997) . مرجع سابق ، 213.

(4)  منصور . (2001) . مرجع سابق ، ص 21- 23.

(1)  القيسي والشيباني . (1997) . مرجع سابق ، ص 216-220.

(2)  الشوكاني . (1979) . مرجع سابق ، ص 107 – 144.

(1)  منصور . (2001) . مرجع سابق ، ص 22 .

(2)   القيسي والشيباني . (1997) . مرجع سابق ، ص 221- 222 .

(1)   المرجع السابق ، ص 211- 212 .

(2)   للمزيد أنظر : عبدالغني قاسم الشرجبي . (1988) . الإمام الشوكاني : حياته وفكره . دار الفكر , بيروت .

 

الشوكاني وثقافة الاجتهاد

بسام ناصر

كلما ذُكر اسم الإمام محمد بن علي الشوكاني (1173 ـ 1250هـ)، فانه يتراءى للمرء صورة العالم المجتهد الذي فارق طرائق المقلدين، ونبذ صنيع المتعصبين، وانتهض داعياً إلى الاجتهاد والإحياء والتجديد، وقد استحوذت على تفكيره ونشاطه وسائر إنتاجه قضية الاجتهاد حتى غدت هي قضيته المركزية، ونظراً لأنه قام مبشراً وداعياً لها في بيئات سيطرت على أهلها عقليات مغلقة، صنعها التقليد، وأقفل التعصب منافذ المعرفة إليها، فانه وظف واستثمر كل الأدوات والآليات التي تمكنه من إحداث ثغرات في تلك البنى العقلية ذات الإغلاق المحكم.

خصص الشوكاني جملة من مصنفاته ورسائله لمناقشة المقلدين ومحاورتهم، خائضاً معهم سجالات علمية جدلية، حيث يورد أدلتهم ويناقشها دليلاً دليلاً، من تلك المصنفات: “إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول”، “القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد”، “بغية المستفيد في الرد على من أنكر الاجتهاد من أهل التقليد”، “أدب الطلب ومنتهى الأرب”.

وحتى يثبت بطلان مقولة دعاة التقليد وأنصاره، الذين أقفلوا باب الاجتهاد بعد القرن السادس الهجري، وقالوا بقصور الخلف عن تحصيل ما حصله السلف، فانه صنف كتابه “البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع”، الذي خصصه للحديث عن تراجم أكابر العلماء من أهل القرن الثامن ومن بعدهم إلى عصره، “ليعلم – كما يقول – صاحب تلك المقالة أن الله وله المنة قد تفضل على الخلف كما تفضل على السلف، بل ربما كان في أهل العصور المتأخرة من العلماء المحيطين بالمعارف العلمية على اختلاف أنواعها من يقل نظيره من أهل العصور المتقدمة”.

من بين سائر كتبه ومصنفاته، يشتمل كتابه “أدب الطلب ومنتهى الأرب” على تفصيل وبيان لمعالم المنهج العلمي الذي دعا إليه، حتى يتم إحياء علوم الاجتهاد، وفي الوقت ذاته يتم التحرر والانعتاق من كل العوائق والعقبات التي تحول دون ذلك، وهو في كل ذلك يتكئ على مخزون معرفي وعلمي وتاريخي واسع وغزير، كما أنه يوظف تجربته الحية والشخصية في صولاته ومجادلاته لمخالفيه من جمهور المقلدين والمتعصبين، ويحكي فيه صوراً ومشاهد مما لقاه من أهل زمانه في معارضتهم له والتضييق عليه، وصدهم العامة عن الأخذ عنه أو القبول بدعوته.

ولأن الإمام الشوكاني يدرك أن التعصب للأفكار والمذاهب والأشخاص من أكبر المعوقات والعوائق التي تحول دون انتشار ثقافة الاجتهاد وترسخها، فانه يقدم تحليلاً عميقاً للأسباب المؤدية إلى التعصب، وقد أوصلها إلى تسعة أسباب، نورد نبذاً من أولها كنموذج على طريقته في التحليل والمعالجة والتوجيه.

في السبب الأول (أثر البيئة والتنشئة الاجتماعية وقصور العلماء عن أداء رسالتهم)، يحلل أثر البيئة والتنشئة في صياغة العقول، وتشكيل المفاهيم، فهو يرى أن كثيراً ممن نشأوا في بلد من البلدان التي قد تمذهب أهلها بمذهب معين، واقتدوا بعالم مخصوص قد صاروا يعتقدون أنها هي الشريعة وأن ما خرج عنها خارج عن الدين مباين لسبيل المؤمنين، فأهل هذا المذهب يعتقدون أن الحق بأيديهم وأن غيرهم على الخطأ والضلال والبدعة وأهل المذهب الآخر يقابلونهم بمثل ذلك.

ويُرجع السبب في ذلك إلى أنهم نشأوا فوجدوا آباءهم وسائر قراباتهم على ذلك، وقد ورثه الخلف عن السلف والآخر عن الأول، وانضم إلى ذلك قصورهم عن إدراك الحقائق بسبب التغيير الذي ورد عليهم ممن وجوده قبلهم، وإذا وجد فيهم من يعرف الحق والمحقين فهو لا يستطيع أن ينطق بذلك مع أخص خواصه وأقرب قرابته فضلاً عن غيره لما يخافه على نفسه أو على ماله أو على جاهه بحسب اختلاف المقاصد وتباين العزائم الدينية فيحصل من قصور هؤلاء مع تغير فطرهم، بمن أرشدهم إلى البقاء على ما هم عليه، واعتقاد أنه الحق وخلافه الباطل.

وفي سبيل إحياء ثقافة الاجتهاد وعلومه، فانه يحث طلاب العلوم الشرعية على دراسة العلوم الشرعية كالتفسير والفقه وأصوله، والسنة والحديث، وعلم التاريخ، وعلوم اللغة كالنحو والصرف والمعاني والبيان، وعلم المنطق، وكذلك فهو يوجه إلى ضرورة الاطلاع والإلمام ببقية العلوم والفنون كالشعر والأدب والفلسفة والرياضيات.

ثم يقسم حملة العلم وطلابه إلى أربع طبقات، يضع لكل طبقة منهاجاً تسير عليه، ويسمي لها كتباً تدرسها وتحصل ما فيها من العلوم، وبعد بيانه لتلك المطالب فانه يبين من هو المجتهد على التحقيق – كما يراه – فهو “من يِأخذ الأدلة الشرعية من مواطنها على الوجه الذي قدمناه ويفرض نفسه موجوداً في زمن النبوة وعند نزول الوحي وإن كان في آخر الزمان وكأنه لم يسبقه عالم ولا تقدمه مجتهد، فان الخطابات الشرعية تتناوله كما تناولت الصحابة من غير فرق، وحينئذ يهون الخطب وتذهب الروعة التي نزلت بقلبه من الجمهور وتزول الهيبة التي تداخل قلوب المقصرين”.

يضع الشوكاني معياراً جامعاً لثقافة الاجتهاد، تجعل من تزود بها وغرف من معينها، أنه يتصف بالإنصاف، ومقتضى ذلك :”أن لا يُحسن الظن أو يسيئه بفرد من أفراد أهل العلم على وجه يوجب قبول ما جاء به أو رده من غير إعمال فكر وإمعان نظر وكشف وبحث، فان هذا شأن المقلدين وصنيع المتعصبين، وإن غرته نفسه بأنه من المنصفين وإن لا يغتر بالكثرة، فان المجتهد هو الذي لا ينظر إلى من قال بل إلى ما قال، فان وجد نفسه تنازعه إلى الدخول في قول الأكثرين والخروج عن قول الأقلين أو إلى متابعة من له جلاله قدر ونبالة ذكر وسعة دائرة علم، لا لأمر سوى ذلك فليعلم أنه قد بقي فيه عرق من عروق العصبية وشعبة من شعب التقليد وإنه لم يوف الاجتهاد حقه”.

ومن مقتضيات ثقافة الاجتهاد عند الإمام الشوكاني أنه يدفع طلاب العلم ويحرضهم على دراسة الفنون والعلوم كافة وألا يقفوا من علم أو فن موقف الوجل المتردد، حذراً مما ورد عن أئمة السلف في التحذير منه والتشنيع على أهله، فهو يحث طلاب العلم على الاشتغال بفن علم الكلام المسمى بأصول الدين، وينصحهم قائلا: “وإياك أن يثنيك عن الاشتغال بهذا الفن ما تسمعه من كلمات بعض أهل العلم في التنفير عنه والتزهيد فيه والتقليل لفائدته، فانك إن عملت على ذلك وقبلت ما يقال في الفن قبل معرفته كنت مقلداً فيما لا تدري ما هو، وذلك لا يليق بما تطلبه من المرتبة العلية، والكون في الطبقة الأولية، بل اعرفه حق معرفته، وأنت بعد ذلك مفوض فيما تقوله من مدح أو قدح، فانه لا يقال لك حينئذ أنت تمدح ما لا تعرفه، أو تقدح فيما لا تدري ما هو”.

إن تلك الدعوة تربي عقلية طالب العلم على الانفتاح وعدم الانغلاق، وتحمل في طياتها الحث والتحريض على التواصل مع إنتاجات الثقافات الأخرى، وعدم التهيب من ذلك الانفتاح والتواصل، فان من رسخت قدمه في علوم الشريعة، قادر على رد تلك العلوم إليها ومحاكمتها بما استقر عنده من قطعيات الشريعة وقواعدها وأصولها.

إن الإمام الشوكاني قد سعى بكل جدٍ واجتهاد لتحرير العقل المسلم من الآفات التي تقعد به عن الاجتهاد والتجديد، فهو دائم التحريض على نبذ التقليد، مستشهداً بمقولة ابن الجوزي “بأن في التقليد إبطال منفعة العقل”، كما أنه يهاجم التعصب، ويشنع على المتعصبين، لأن المتعصب – عنده- وإن كان بصره صحيحاً فبصيرته عمياء، وأذنه عن سماع الحق صماء، إنه بحق إمام من أئمة الاجتهاد، ورائد عظيم من رواد عصره.

كاتب اردني

الغد

 

قراءة في كتاب( فقه الغناء والمعازف عند الشوكاني)
محمد بن المختار الشنقيطي / رئيس المركز الإسلامي في تكساس- الولايات المتحدة الأميركية
كان فيلسوف الإسلام الشاعر إقبال يقول: “إن جفاف المنطق لا يقوى على مقاومة نضرة الشعر”. وقد أراد إقبال بمقولته هذه عن الشعر والمنطق أن يعرِِّفنا على أن الشكل الذي تُقدَّم فيه المبادئ ليس أمرا ثانويا. فكم من حقيقة ناصعة ضاعت بسبب سوء عرضها على الناس، وكم من باطل مكَّن له دعاة مهَرة. وقديما قال أحد الشعراء: في زخرف القول تزيينٌ  لباطـله والحق قد يعتريه سوء تعبـيرِ تقول هذا مُجاج النحل تمدحـه وإن ذممت فقل قيء الزنـابـيرِ

مدحًا وذمًّا وما غيَّرتَ من صفةٍ سحر البيان يُرِي الظلماءَ كالنورِ

فليس كالفن والجمال حاملا لرسالة الحق والخير، إذ الفن –شعرا كان أو غناء- دفقات من الوجدان وومضات من العبقرية، لا تراود الأذهان عبر دروب متعرجة من المقدمات المنطقية الجافة والاستدلالات التجريدية الباردة، وإنما تغزو الوجدان غزوا، فتقذف فيه رسالتها وتأخذه بوهجها الآسر..

وفن الغناء بالمعازف من الفنون التي كثر حولها الجدل في تاريخنا الفقهي، فشاع في أمرها فقه التحفظ وسد الذرائع، لسبب وجيه ولغير سبب، وطغى فيها ما دعاه أخونا مؤلف هذه الدراسة ببلاغةٍ “الورع البدعي”. وهذا الورع البدعي -الذي لا ينبني على رجحان الأدلة- ليس مما ينتسب إلى الحنيفية السمحة بنسب عريق، وإنما هو فرع من رهبانية أهل الكتاب وتنطعاتهم في الدين. وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع مسالك أهل الكتاب، لا في تفلتهم من قيود شرعهم فقط، وإنما في تنطعهم وتكلفهم البدعي. فاتباع أهل الكتاب يكون في التضييق قبل التوسعة، كما يوحي به مجاز “جحر الضب” الوارد في حديث التحذير من اتباعهم.

وهذه دراسة رصينة، أخذت من أهل الحديث صرامةَ النقل والتحقيق في الرواية، وأخذتْ من أهل الفقه الغوصَ على المعاني، والتدقيق في دلالات الألفاظ، والتوفيق بين النصوص دون بترها من سياقها أو ضرب بعضها ببعض.. يقدم فيها الأستاذ مجيب الحميدي رؤية شرعية أصيلة حول فقه الغناء والمعازف، مبناها سبر المسائل الشرعية بالدليل المجرد، وسعة الاستقراء في عرض الآراء المتباينة، دون تقيد برأي فقهي سائد، أو رهبة من ذوق جماعي مسيطر.

وقد توصل أخونا الفاضل صاحب الدراسة إلى أن تحريم المعازف لم يكن مبنيا على ركن من الشرع ركين، وإنما كان ردة فعل مغالية على سوء التطبيق الذي ساد بعد القرن الأول الهجري، حين ارتبط الغناء بمجالس الخمر والمجون. وهو يبني رؤيته الفقهية هذه على تراث أحد مجددي أمر الدين، وحاملي راية الاجتهاد في عصر التبلد والتقليد، الإمام محمد بن علي الشوكاني. فقد اعتبر الشوكاني الغناء ذريعة إلى الحرام “إذا كان مشتملاً على ذكر القدود والخدود، والدلال والجمال، والفم والرشف، والتهتك والكشف، ومعاقرة العُقار، وخلع العِذار والوقار”. واستثنى الشوكاني من الغناء ما كان “في ذكر الحرب وصفات الشجاعة والكرم، والتشبيب بذكر الديار، ووصف أصناف النِّعم”. فالغناء والمعازف في هذا الفقه اليماني الأصيل وسائل لها حكم مقاصدها، فهي لا تُُمدح أو تُُذم لذاتها.

ويسير المؤلف الكريم على خطى الإمام الشوكاني الذي حذر طلاب الحق في رسالته (رفع الجناح عن نافي المباح) من “هيبة الجمهور”، ومن “جعْل الكثرة بمجردها من موجبات الرجحان ودلائل الإصابة”. وما أثمنها من نصيحة في أيامنا هذه التي سادت فيها الأجوبة السهلة على الأسئلة الصعبة، وطغت مجاراة الجمهور وما ساد من قولٍ بديلا عن المساءلة العلمية والشك المنهجي، وأصبح التضييق والتحريج –لا البرهان والدليل- علامة العلم الواسع، وآية التقوى والالتزام. وحُقَّ لكاتب هذه الدراسة القيِّمة أن يَرثِي تراجُع الجِدِّ العلمي والشجاعة الفقهية، وسيادة “الخوف من عوام المتدينين”، “وترك المجال للوعاظ المتنطعين”، الذين يسعون إلى سد منافذ الشر من غير فقه، فيسدون معها أبواب الخير الواسعة..

وليس يلام فقهاء الماضي أن استجابوا لظروف عصرهم، أو اجتهدوا رأيهم بما يحفظ العفاف، ويحمي من الإسفاف. وإنما يلام فقيه اليوم إن أخذ اجتهادا محدودا بظروف الزمان والمكان مأخذ الأصل الشرعي الثابت، أو غض الطرف عن الضعف البنائي الذي يظهر أحيانا في الآراء الفقهية الموروثة، أو تجاهل تبدل المصالح، وإجمال الأدلة، وتجدد الوقائع..

وقد أبان المؤلف الكريم -ومن قبْله الإمام الشوكاني- عن أن التوسع في الاستقراء وفحص الأقوال السائدة بفقهٍ وثّابٍ غير هيّابٍ، يظهر ضعفا مزمنا في الأقوال المأخوذ بها اليوم حول الغناء والمعازف. وقد نسب الشوكاني باستقرائه الواسع إباحة الغناء بالمعازف لعدد من الصحابة، منهم –كما ورد بأسانيد صِحاح وحِسان- عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: “شبيه خلْقي وخلُقي”، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما وهو إمام من أئمة العلم والتقوى والجهاد، وحسان بن ثابت رضي الله عنه شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحامي عرضه من سهام المشركين.

كما نسب الشوكاني إباحة الغناء بالمعازف إلى عدد من أعلام التابعين، منهم: سعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد، وشريح القاضي، وسعيد بن جبير، وعامر الشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وطاووس، وغيرهم… بل نقل عن بعض أهل العلم إجماع أهل المدينة على إباحة العود وغيره من المعازف. وهو نقلٌ لم ينكر وجوده الحافظ ابن حجر رغم قوله بالتحريم. قال ابن حجر متحدثا عن المعازف: “وقد حكى قوم الإجماع على تحريمها وحكى بعضهم عكسه” (فتح الباري 2|471).

ويبقى لديَّ استدراك بسيط على ما ورد في هذه الدراسة من نقل الإمام الشوكاني عن ابن النحوي نسبة إباحة الغناء بالمعازف إلى شريح القاضي. فقد ورد في “كتاب المظالم” من صحيح البخاري: “وأُتِيَ شريحٌ في طنبور كُسِر فلم يقض فيه بشيء”، أي أنه لم يُلزِم الذي كسره بقيمته للمالك، بل أهدر قيمته، والطنبور آلة من آلات الغناء. وهذا يوحي بأن نسبة إباحة المعازف إلى شريح القاضي فيها إشكال، إذ ما كان شريح –وهو القاضي المعروف بالعدل والنباهة- لُيهدر مال صاحب المال لو لم يكن يرى تحريم الطنبور وما شاكله من المعازف. بيد أن هذا الاستدراك الجزئي في شأن شريح لا يخْرِم من قوة استدلال المؤلف الكريم ولا من فقه سلفه الإمام الشوكاني في شأن الغناء والمعازف.

ولكَمْ كنت أتعجب في صغري وأنا أقرأ بعض الكتب في تاريخ المدينة المنورة، مثل كتاب السمهودي “وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى”، وأجد فيها غرام أهل المدينة المنورة في القرن الأول الهجري -وهم خيار أهل الإسلام- بالشعر العفيف والغناء النظيف، والعزف على العود وغيره من المعازف… ثم كنت إذا قرأتُ ما دونتْه كتب الفقه المتأخرة من الشدة والمحاذرة في أمر الغناء والمعازف أجد في الأمر تناقضا غير مفهوم. لكن الإمام الشوكاني يبين أن مذهب أهل المدينة هو القول بحِلِّ الغناء بالمعازف، فيقول: “ذهب أهل المدينة، ومن وافقهم من علماء الظاهر، وجماعة من الصوفية إلى الترخيص في السماع، ولو مع العود واليراع”.

ليس من المناسب أن أخوض في دقائق الاستدلالات التي تقدم بها الأستاذ الحميدي، إذ لا تتسع مساحة التقديم لذلك، ومن الظلم للقارئ أن أحول بينه وبين هذه الدارسة القيمة، التي لا يُغْني عن الاطلاع عليها أي تقديم.. وإنما أشير إشارات خفيفة إلى أمور غائبة عن الخطاب الفقهي السائد حول هذا الموضوع، وقد جلاَّها الأستاذ الحميدي في دراسته هذه، وفصلها فأحسن التفصيل:

أولاها: أن الاستدلال بآية: “ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم” على تحريم الغناء استدلالٌ واهٍ، حتى وإن صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أن “لهو الحديث” في الآية هو الغناء. لأن علة إدانة هؤلاء الصادين عن سبيل الله هي الإضلال، لا استعمال الغناء وسيلة لذلك.. وقد أحسن الشوكاني في بيان ذلك إذ قال: “إن لهو الحديث لمّا عُلِّل في الآية بعلة الإضلال عن سبيل الله لم ينتهض للاستدلال به على المطلوب”. ونزيد على ذلك قرينة أخرى وهي أن الآية مكية، ولم يرد في مكة في الغالب تشريع يتعلق بالحلال والحرام تفصيلا، ولا يَتوقع متفقه بشرعة الإسلام وتدرجها الحكيم في عصر النبوة أن يرد تحريم آلات الغناء قبل تحريم الخمر والفواحش..

وثانيتها: أن الاستدلال بحديث المعازف الوارد في صحيح البخاري عن هشام بن عمار حول استحلال الناس في آخر الزمان “الحِرَ والحرير والخمر والمعازف” استدلال ضعيف أيضا، لما ورد من إشكالات حول الحديث ذاته روايةً ودراية: من حيث تعليق البخاري لإسناده، والشك في راويه الصحابي (أبو مالك أو أبو عامر)، واختلاف ألفاظه، وورود التصحيف في بعضها…الخ بل حتى ولو اتصل هذا الحديث وصح إسناده – وهو ما أكده ابن حجر ورجحه صاحب هذه الدراسة- فقد “تقرر أن النهي عن الأمور المتعددة أو ترتيب الوعيد على مجموعها لا يدل على تحريم كل فرد منها” كما يقول الشوكاني. فليس من الصواب البتُّ بتحريم أمر عمت به البلوى بناء على دلالة الاقتران هنا، على ضعفها عند الأصوليين.

وثالثتها: أننا لو سلمنا جدلا أن الحديث صحيح الإسناد، صريح العبارة في تحريم المعازف، فسيبقى إشكال آخر لا يقل شأنا: وهو أن لفظ (المعازف) في اللغة العربية يشمل الدف، بل وكافة أنواع الغناء واللعب. قال ابن حجر: “وفي حواشي الدمياطي: المعازف الدفوف وغيرها مما يضرب به، ويطلق على الغناء عزْف وعلى كل لعب عزْف ووقْعٌ” (فتح الباري 10|60). وقد تواترت الأحاديث النبوية في الصحيحين وغيرهما بجواز الدف. فيكون حديث المعازف هنا –على افتراض أنه صحيح صريح- مخالف لما هو أصح منه وأصرح، فلزم الترجيح والأخذ بالأحاديث المتفق عليها في إباحة الدف تصريحا، وإباحة المعازف الأخرى استتباعا، لأن الدف من المعازف.

إن من أهم التحديات أمام الحياة الإسلامية اليوم تخلف حمَلة الدين عن دورة الحياة الدائبة، وتفريطهم في تأصيل البدائل الشرعية. وليست البدائل عن فتون الفنون المعاصرة أقل هذه البدائل شأنا. وهذا الذي جادل من أجله الأستاذ الحميدي بحصافة علمية وحكمة دعوية في هذا الكتاب، فبيّن أن التباس الغناء في الماضي أو الحاضر بمجون وفتون ليس مبررا لإطلاق التحريم، بل الأوْلى أن يكون دافعا إلى التوسع والترخص، تشجيعا للبدائل الخيِّرة، ومنعا من فراغ يتمكن فيه الشر، فقال: “إن الغناء المباح هو ما كان منضبطاً بالضوابط الشرعية، وكل مشروع حدث فيه تجاوز ُيمنع منه ما اعتُبر تجاوزاً، لا أصل المشروع”. وقد أحسن القول في هذا، فالحرام لا يحِّرم الحلال، وإنما يعلقه تعليقا ظرفيا لعارض طارئ، ثم يرجع الحلال حلالا كما كان. وإفتاء الناس بالورع ليس من شيم أهل الورع. وإنما كانت شيمة أهل الورع أن يأخذوا أنفسهم بالأورع، فإذا أفتوا الناسَ داروا في فتياهم مع الراجح الذي دل عليه الدليل تضييقا وتوسعة.

وقد ضرب الإمام الشوكاني مثلا بديعا في ذلك، فبين أنه ليس من محبي الغناء ولا مستمعيه، لكنه أراد “إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع” غيرةً على دين الله تعالى من تضييق المتورعين من غير علم، ودفعا عن أعراض خيارٍ من الأمة كانوا يسمعون الغناء ولا يرون في استماعه حرجا. قال الشوكاني رحمة الله عليه: “وقد علم الله أنّا لم نقعد في مجلس من مجالس السماع، ولا لابسنا أهله في بقعة من البقاع، ولا عرفنا نوعاً من أنواعه، ولا أدركنا وضعا من أوضاعه. ولكنّا تكلمنا بما تقتضيه الأدلة، وأزحنا عن صدر المتكلم بالجهالة كل علة”.

ومهما يكن من أمر، فإن فقه المحاذرة والمجانبة فقه سلبي، قد يحفظ بعض فطرة الخير في المجتمع، لكنه يفوت خيرا أكبر. فليس هو بالفقه الذي يحتاجه الإسلام اليوم. وإنما يحتاج الإسلام اليوم إلى من يأخذ الكتاب بقوة، ويركب موجة الحياة العاتية، ويوجهها وجهة الخير والحق والجمال. ونحن نعيش اليوم ثقافة الجماهير التي لا يغني النقد السلبي في شأنها شيئا، وإنما يتم مواجهتها بالبديل الإيجابي.

وقد أجاد المؤلف الكريم في تقديم رؤية شرعية عملية تراعي المصالح في عصرنا الذي أصبح الغناء والمعازف فيه من الفتن العظيمة والتحديات الجسيمة. ولم يعد من خيار أمام العاملين لبناء الحياة الإسلامية، سوى تطويع الغناء والمعازف لسلطان الحق، واتخاذهما مطية لغرس معاني العفاف والقوة والجهاد، بديلا عن تركهما بأيدي المتبطلين والمفسدين يسرحون بهما ويمرحون.

وعودا على بدء نقول مع الفيلسوف الشاعر محمد إقبال: “إن جفاف المنطق لا يقوى على مقاومة نضرة الشعر”. فما أوسع الشقة بين محاضرة مملة عن تاريخ الأندلس، وبين أوتارٍ عميقة الإيقاع، تأخذ بنياط القلوب، حاملةً آهات الشاعر محمد إقبال وهو يبكي أطلال قرطبة، ويشبِّه أعمدة مسجدها المهجور بجذوع النخيل في أرض الشام، ويربط بين قبة المسجد وقمة جبل الطور:

كنخيل الشام وأعمُدهـا شمختْ في المسجد أعمُدهُ

تتـألق زرقـة قبتــهِ وتُقيم اللـيل وتُـقـعِدهُ

وتنـهُّدها في وحدتـها كالطور كواه تـنـهُّـدهُ

وما أبعد الشقة بين قراءة “باب الجهاد” في كتاب من كتب الفقه بصياغة باردة، وبين الاستماع إلى أوتار شديدة الوقع، تأخذ بتلابيب الأنفس الراكدة فتهزها هزا، وهي تحمل عز العبودية لله، وغضبة الحق، وثورة الضمير على الضيم، في قول إقبال:

لي في الجهاد يدٌ فرعونُ يخشاها

بيضاءُ ما مُـدَّتْ إلا لمـولاهــا

لقد وضع الأستاذ الحميدي يده على موطن الداء، وأحسن تشخيص الدواء حين قال: إن “الغناء الحرام لا يحارب إلا بتشجيع الغناء الحلال. ومن زعم أنه يحارب الغناء الحرام بمنع الغناء الحلال كمن زعم أنه سيحارب الزنا بمنع الزواج”..

وتِلكمْ هي الحنيفية السمحة، التي تتأسس على الإيجابية والإقدام وحفز فطرة الخير القادم، لا على المحاذرة والإحجام والخوف من الشر الداهم. فما يتمكن باطل إلا على فراغ من حق. لذا كان إحقاق الحق مقدما على إبطال الباطل.

والله الهادي للحق لا شريك له..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s