كتاب قرأته: إنهيار الرأسمالية: أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود

Posted: 1 يناير 2012 in كتاب قرأته, مقالات اقتصادية, مقالات سياسية

إنهيار الرأسمالية: أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود (العدد 371 من سلسلة عالم المعرفة)
Der Crash des Kapitalismus: Warum die entfesselte Marktwirtschaft scheitert
تأليف: أولريش شيفر Ulrich Schafer
ترجمة: د. عدنان عباس علي

إما أن تنهض الرأسمالية في تجديد نفسها من الجذور، وإما أنها ستنهار وتصبح من مخلفات التاريخ. فبعد ثلاثة عقود، سيطر فيها الإقتصاد المحرر من القيود على العالم، أمسينا في أمس الحاجة إلى إحياء الدولة إحياء متزنا، إذ لامناصة للدول عن أن تستعيد المجالات التي خسرتها، المجالات التي تخلت عنها منذ مطلع السبعينيات. إن الدولة ملزمة برسم الحدود للأسواق، من غير أن تشل قواها. ويقتضي الواجب من الدولة أن تمنح مواطنيها الشعور بالأمان والثقة، من غير أن تمارس الوصاية عليهم، وأن تتكفل ـ ثانية ـ بأن تكون الراعي الأكيد للمنافسة العادلة والعدالة الإجتماعية. ولكي تستطيع الدولة النهوض بهذه الوظائف، فإنها تصبح في أمس الحاجة إلى ممارسة دورها بثقة أكبر وإصرار أشد، فلا سبب يدعوها أن تستسلم لما يفرضه عليها السوق، فالحكومات وسلطات الرقابة أكثر سلطانا من الشركات العملاقة والمصارف المختلفة، حتى في عصر العولمة. وهي مطالبة بأن تمارس سلطانا بإصرار أشد. إن الأمر المطلوب هو أن يظهر بجلاء أن الدولة هي التي ترسم الإطار العام الذي يجوز للإقتصاد أن ينشط في حدوده ـ وليس العكس ـ أي ليس أن يحدد الإقتصاد للدولة الإطار العام الذي يجوز لها أن تنشط في داخله. إن الدولة بمفردها، لن تستطيع إستعادة الثقة بإقتصاد السوق، فحقبة الجشع يجب أن يتبعها عصر الإعتدال في تحقيق المصالح الخاصة، وحقبة الإسراف الأهوج يجب أن يتبعها عصر الواقعية والتصرف الحصيف، وحقبة تعظيم قيمة الأسهم والتطلع المسرف وغير المسؤول في جني الأرباح، يجب أن يتبعها عصر المبادئ الأخلاقية وعصر الشعور بالمسؤولية، فالمشاريع ورؤسائها يجب أن يتخلوا عن معدلات الربحية الجنونية، وأن يسترشدوا ثانية بواجباتهم الإجتماعية ومسؤولياتهم الأخلاقية، أي أن عليهم أن يدركوا أنهم جزء من المجتمع، وأنهم خدم هذا المجتمع. إن هؤلاء لايجوز لهم أبدا أن يروا في الدولة والسياسة مجرد عوائق مثيرة للانزعاج ومثبطة للعزائم، بل عليهم أن يخضعوا للدولة والسياسة بإعتبار أنها الضامن الأكيد للمنافسة والمساواة الإجتماعية، فاقتصاد السوق الخاضع للضوابط هو وحده النظام القادر على مواصلة الحياة في الأمد الطويل. أما الرأسمالية المحررة من الضوابط والقيود فإنها تدمر نفسها بنفسها.

وقد جاءت محتويات الكتاب على الشكل:
الفصل الأول: الرأس مالية قاب قوسين من الهاوية
الفصل الثاني: منظرو الرأسمالية الجديدة
الفصل الثالث: الطريق إلى اقتصاد السوق المحررة من القيود
الفصل الرابع: ازدهار الرأسمالية
الفصل الخامس: الأزمة في فصلها الأول: الاقتصادات الناشئة تترنح
الفصل السادس: الأزمة في فصلها الثاني: نهاية اقتصاد تكنولوجيا المعلومات ومؤسسات الإنترنت
الفصل السابع: الأزمة في فصلها الثالث: انفجار فقاعة السيولة الزهيدة الثمن
الفصل الثامن: الانهيار الكبير
الفصل التاسع: المجتمع السقيم
الفصل العاشر: العالم يعيش حقبة تحولات مهمة
الفصل الحادي عشر: برنامج مضاد للسقوط في الهاوية
الفصل الثاني عشر: الأزمة الحالية ستليها أزمة أخرى بكل تأكيد

وهذا عرض للكتاب قدمه/ عبد الحافظ الصاوي على موقع الجزيرة نت أسوقه لكم

شهدت البلدان المتقدمة أيضًا فجوة بين الأغنياء والفقراء في ظل الرأسمالية المحررة من القيود، فالطبقة المتوسطة في ألمانيا مثلا تعرضت للانكماش بمقدار 10% عما كانت عليه في عام 2000، كما أن نتائج استطلاع الرأي أشارت إلى أن نحو 80% من مواطني أميركا وألمانيا يعتقدون أن العولمة خطر يتهددهم، بينما 20% فقط يرون أن تحرير التجارة يحقق منافع لبلدانهم. ومن خلال الفصل الأول، يعدد الكاتب في كتابه “انهيار الرأسمالية.. أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود” مظاهر التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثتها الرأسمالية المحررة من القيود في المجتمع الألماني، فمثلا يشهد واقع الحال بأن 60% من الثروة تقع في يد العُشر الأول في السلم الاجتماعي داخل ألمانيا، بينما العُشر الأخير في السلم الاجتماعي لا يملك أموالا منقولة أو غير منقولة، ولا يمكنه اللحاق أبدًا بالعشر الأعلى في السلم الاجتماعي.

كما أن أغنى 1125 فردا على مستوى العالم، يملكون ثروة تعادل دخول الأفراد في كل من الهند، وباكستان، وبنغلاديش، وتايلند، وماليزيا، وفيتنام، والفلبين، والقارة الأفريقية برمتها. وضحايا الاستحواذات من العاطلين لم يخل منهم بلد متقدم أو نام، كما أن البحث عن الربح دفع العديد من الرأسماليين إلى نقل استثماراتهم إلى العديد من البلدان ذات الأجور الدنيا لليد العاملة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فيذكر المؤلف أن “ملايين من بني البشر سيفقدون فرص عملهم على خلفية الأزمة الراهنة، على الرغم من أن هؤلاء المواطنين ما كان لهم أي دور في المقامرة التي درج عليها المضاربون طوال السنوات الماضية”.

وفي ختام الفصل الأول يطرح الكاتب سؤالا مركبًا من مجموعة من التساؤلات الفرعية، جعل محاور كتابه بفصوله الـ11 التالية للفصل الأول، مجالا للإجابة عنه، والسؤال هو: ماذا يمكن عمله؟ وماذا يتعين فعله؟ وما الذي ينبغي إنجازه لكي لا يدمر اقتصاد السوق نفسه بنفسه؟ وما الصفة الجديدة التي لا مندوحة للرأسمالية عن تبنيها لكي تكون قادرة على مواصلة الحياة؟ وما المتطلبات الضرورية لتحقيق اقتصاد سوق يتكفل فعلا بالرعاية الاجتماعية؟ وقبل هذا وذاك، أهناك مستقبل مضمون للرأسمالية أصلًا؟

اللبراليون يديرون اقتصاد العالم

يبين الكتاب السجال الذي دار بعد أزمة الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية في القرن الماضي، بخصوص دور الدولة في المجال الاقتصادي، وكيف تم تبني الفكر الكينزي الداعي إلى دور للدولة في الاقتصاد، من أجل إنعاش الطلب الفعال، وقد استمر هذا المنهج بنجاح حتى أواخر الستينيات، ومنتصف السبعينيات. ولكن أصحاب الدعوة إلى تلاشي دور الدولة في الاقتصاد لم يغيبوا عن المشهد الاقتصادي منذ نهاية أزمة الاقتصاد الكبير، وكانوا يرون أن ما حدث خطأ في حق اقتصاد السوق، ومن هؤلاء رموز اقتصادية مثل فريدمان، وهايك، وغيرهم، حيث سنحت لهم الفرصة في منتصف السبعينيات للالتحام بالسياسيين الذين كانوا يبحثون عن مخرج من أزمتي البطالة والتضخم، وسوء أداء الخدمات العامة، فعمل معظم رموز مدرسة “دعه يعمل دعه يمر” مستشارين اقتصاديين أو مسؤولي مؤسسات مالية واقتصادية كبيرة، رسخوا من خلالها إدارة اقتصاديات الدول التي وجدوا فيها، ومن ثم اقتصاديات العالم، وفق نظام الرأسمالية غير المقيدة، وكانت مدرسة تاتشر وريحان رائدتين في اتخاذ الخطوات الكبيرة في تطبيق هذه السياسة، بل وسبقهما من قبل نيكسون بالتخلي عن قاعدة الذهب، وثبات أسعار العملات الوطنية، وتوطدت عُرى الرأسمالية المتوحشة في بداية التسعينيات وما قبل وقوع الأزمة المالية العالمية في أغسطس 2008، حيث تم تحرير البورصات العالمية والوطنية، والأجهزة المصرفية، وحررت التجارة بشكل كبير.

وتعتبر هذه الفترة هي فترة ازدهار الرأسمالية، لقد كان وقع الرأسمالية المحررة من القيود شديدًا على الزعماء الأوروبيين، حتى الاشتراكيين منهم، كما هو الحال مع المستشار الألماني السابق شرودر، ويصنف المؤلف ألمانيا على أنها من الدول التي تأخرت في الأخذ بمبادئ الرأسمالية بلا قيود وتعاملت معها بحذر، لكنها في النهاية خضعت لأمواجها العاتية.

ازدهار الرأسمالية

يذكر المؤلف أن عقد التسعينيات من القرن العشرين، ومطلع الألفية الثالثة، يشكلان عصر ازدهار الرأسمالية، حيث شهد الاقتصاد العالمي ما سمي بالاقتصاد الجديد أو اقتصاد المعلومات، ووجود نظم متطورة في مجال الاتصالات صاحبتها حركة غير عادية من الاستحواذات في شركات الإنتاج ومؤسسات الخدمات على السواء، وتسبب ذلك في حركة نشطة غير مسبوقة في أسواق المال.

وقد واكب هذه الطفرة من الازدهار للرأسمالية حدث تاريخي مهم، وهو سقوط الاتحاد السوفياتي، وانهيار الاشتراكية. ويذكر المؤلف “أن الجميع كانوا واثقين بأن خط المسيرة الرأسمالية لن يكون غير المضي قُدمًا وحث الخطى نحو مصاف أعلى، ومع أن هذا الاعتقاد ليس إلا ضلالا أثبتت الأيام زيفه، فإن بني البشر يستسلمون له تمامًا، كما استسلموا للاقتصاد الجديد”. كما استشهد المؤلف بالاعتقاد السائد بازدهار الرأسمالية بمقولة الرئيس الأميركي الأسبق “نحن قادة العالم بلا منازع”.

الأزمات تتوالى

يسرد الكتاب أزمات الرأسمالية في العصر الحديث، بدءًا بالمكسيك وروسيا، ثم جنوب شرق آسيا التي كانت فارقة في تاريخ الرأسمالية الحديث، حيث كانت دول جنوب شرق آسيا -أو ما أطلق عليه تجربة النمور- النموذج الذي تقدمه الرأسمالية على نجاح نموذجها الاقتصادي، ولكن المضاربات التي اجتاحت هذه الدول وهدمت اقتصادياتها، بينت سلبيات النموذج الرأسمالي المتحرر من القيود، فالمضاربات على عملات هذه الدول، وعلى أسواقها المالية كادت تقضي على أحلام هذه الدول الاقتصادية.

ويستشهد المؤلف بكلمات رئيس وزراء ماليزيا الأشهر محاضر محمد “لقد بذلنا على مدى ثلاثين أو أربعين عامًا، قصارى جهدنا لتمكين بلداننا من إحراز التقدم، والآن يأتي إلينا أحدهم، مختالا، متغطرسًا، ومعه بضعة مليارات من الدولارات، ليهدم في غضون أسبوعين كل ما أنجزناه”.

ثم يعرج المؤلف على أزمة شركات التكنولوجيا في مطلع الألفية الثالثة، وكيف تم التغرير بالعديد من المستثمرين بالمغالاة في أسعار هذه الأسهم، والفساد الذي انتاب شركات المحاسبة والمراجعة المعنية بتقييم أوضاع هذه الشركات. وينهي المؤلف حديثه عن أزمات الرأسمالية بأزمة عام 2008، التي هدمت معبد النظام المالي على رؤوس كهنته، وأوقفت أحلام الرأسمالية المحررة من القيود، ليعود للدولة دورها في الرقابة على المصارف والأسواق وممارسة النشاط الاقتصادي من أجل الخروج من دوامة القروض.

وصف المؤلف الأزمة المالية العالمية في عام 2008، بأنها انفجار فقاعة السيولة الزهيدة الثمن، وأرجع ذلك إلى السياسة الاقتصادية التي اتبعها جرسبان -محافظ البنك المركزي الأميركي- بتخفيض أسعار الفائدة، وخفض معدلات الضرائب، وغياب الرقابة على المؤسسات المالية، مما سمح بوجود العديد من المخالفات القانونية لبنوك الاستثمار، وصناديق التحوط، ومبالغات أسعار الأسهم في أسواق المال.

فبدأت الأزمة بسقوط بنك “ليمان براذرز” الأميركي، ثم انتشار عدوى تهاوي البنوك والمؤسسات المالية وأسواق المال من أميركا إلى باقي دول أوروبا وباقي دول العالم.

برنامج مضاد للسقوط في الهاوية

بعد أن استعرض المؤلف محطات الأزمات في النظام الرأسمالي، منذ أزمة الكساد الكبير وحتى أزمة 2008، ومرورًا بأزمات جنوب شرق آسيا وغيرها، مبينًا عورات النظام الرأسمالي، اقترح برنامجًا بديلا للرأسمالية المحررة من القيود، يضم هذا البرنامج اثنين وعشرين بندًا، يمكن تصنيفها في الحزم أو المجموعات الآتية.

*الجهاز المصرفي أ
ن تكون مساهمة الحكومات في خروج البنوك من عثرتها، مرتبطة بخضوع هذه البنوك لتوجيه حكومي أكثر صرامة، وأن يتم القضاء على مصارف الظل، وأن يتم وضع سقف لرواتب كبار العاملين بالمصارف، وبخاصة بنوك الاستثمار، وعلى جميع البلدان أن تتخلى عن مبدأ سرية الحسابات المصرفية.

*أسواق المال
يجب فرض ضوابط صارمة على صناديق المخاطر، وأن تمنع المتاجرة بالبضائع المالية العالية المخاطر، ولا بد من وجود سلطة رقابية عالمية على أسواق المال، كما يطالب الكاتب بأهمية تجزئة وكالة التصنيف الخاصة بالائتمان.

*نظام الضرائب
إلغاء الواحات الضريبية وبخاصة في الدول الصناعية، وتطبيق نظام للضرائب التصاعدية، بما يسمح بوجود إعفاءات حقيقية لأصحاب الدخول الصغيرة والمتوسطة، وأن يخضع الأغنياء لضرائب أكبر، ويركز المؤلف في هذا المجال على أهمية تطبيق ضريبة التركات، ووجود ضرائب على تعاملات البورصة. وأن تراعى التفاوتات الضريبية طبيعة المشروعات ومعدلات الأرباح التي تحققها.

*السياسة الاقتصادية
على الحكومات أن تستمر في تيسير حصول المشروعات على الاقتراض بشروط ميسرة وبأسعار فائدة أقل، وأن تستمر الحكومات في الإنفاق التوسعي ما دامت حالة الركود قائمة، وأن تتوقف عن ذلك في حالات الرواج، وأن تتجه للادخار في ظل الرواج، وأن تتسم السياسات الاقتصادية للدولة بالمرونة التي تسمح بالتعامل المناسب لكل من حالات الركود والكساد.

*الرعاية الاجتماعية
على صعيد الأجور لا بد من الاهتمام بوجود حدود دنيا للأجور، بحيث تتوفر للطبقة الدنيا من العاملين حياة كريمة. كما ينبغي الاهتمام بتوفير تعليم كفء للطبقات الدنيا في المجتمع.

التغير أو الانهيار في انتظار الرأسمالية

يصل المؤلف إلى نتيجة في نهاية كتابه حول مستقبل النظام الرأسمالي، مفادها أن هذا المستقبل مرهون بمدى التغير الذي سيطرأ على الأخلاقيات السائدة في المجتمع، وعلى إدراك الجميع أن مبدأ المسؤولية الاجتماعية لا يقل أهمية عن مبدأ السوق الحرة، وإذا تم تجاهل هذه الحقائق فإن مصير النظام الرأسمالي معرض للمصير نفسه الذي آلت إليه الاشتراكية، وهو الانهيار والاختفاء من الوجود.

وهذا هاشم نعمة يكتب قرآءات في الكتاب ويقول:

صدر العديد من الكتب في الدول الغربية تعالج موضوع الأزمة المالية العاصفة التي يمر بها العالم، ومن هذه الكتب صدر كتاب بالعنوان المذكور أعلاه باللغة الألمانية عام 2009 للاقتصادي أولريش شيفر وقام بترجمته الأكاديمي العراقي الدكتور عدنان عباس علي وصدر ضمن سلسلة عالم المعرفة الكويتية عام 2010. وينقسم الكتاب إلى اثنتي عشر فصلاً ويقع في 472 صفحة.

تأتي أهمية هذا الكتاب في تقديرنا من أن مؤلفه يؤمن بالعدالة الاجتماعية في ظل النظام الرأسمالي وبذلك فهو من الناحية الأيديولوجية لا يمكن وصفه خصماً أو متحاملاً على هذا النظام كما درجت العادة على وصف الكتاب والمفكرين الماركسيين في تصديهم لتحليل الأزمات البنيوية للرأسمالية.

في الحقيقة أن أزمة النظام الرأسمالي قد طفت على السطح، أولاً، في تسعينات القرن العشرين، في الاقتصاديات الناشئة. وبلغت الذروة في الدول الصناعية في مطلع الألفية الثالثة، وذلك حين انهارت أسهم الشركات المتخصصة في التكنولوجيا الجديدة. ومنذ ربيع 2007 أخذت الأزمة المالية تزعزع اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية برمته وتعاظمت عام 2008 فاتخذت أبعادا عالمية.

يستهل الكاتب التأكيد بأن الاقتصاد، الذي عرفناه حتى الآن، انهار في خريف 2008 بكل تأكيد. وسيتخذ العالم شكلاً مختلفاً في المستقبل، سيطفو على السطح نظام عالمي جديد، سيتبلور اقتصاد سوق قائم على مبادئ العدالة الاجتماعية. ومهما اختلفت الأجوبة حول أسباب الانهيار فإن ثمة حقيقة لا اختلاف عليها أبداً: وهي أن العصر الذهبي، الذي تمتعت به البلدان الصناعية الغربية منذ التسعينات، قد صار في ذمة التاريخ. ففي خريف 2008 انتهت، بنحو مفاجئ، حقبة الهناء، فقد انهارت أسواق المال، وذهب مع الريح الحلم بازدهار مستديم. فالزلزال الذي ضرب البورصات فاق كل الزلازل التي عصفت بها حتى الآن، منذ اندلاع الكساد الكبير وانتهاء بالحرب العالمية الثانية. إن النظام الرأسمالي المحرر من القيود يقف الآن على عتبة الهاوية. لقد صرنا شهود عيان على حدث متعدد الأبعاد، شهود على تحول تاريخي كبير. فالدولة تنقذ مصرفاً تلو الآخر، وتؤمم الواحد بعد الآخر، إنها تضخ في الاقتصاد مبالغ لا قدرة لنا على تصور ضخامتها، ورغم ذلك، فإن نجاحها في وقف الانهيار يظل في علم الغيب.

صارت الرأسمالية المحررة من القيود والتوجيه تدمر أكثر فأكثر. ولهذه الأسباب ما عاد كثير من المواطنين يصدقون تحقيق الرفاهية التي وعدتهم بها فئات معينة من الاقتصاديين والسياسيين ورجال الأعمال ومجموعات الضغط التي همها الأول هو الدفاع عن مصالح فئات معينة (اللوبي)، فهؤلاء جميعا لم يكفوا قط عن الإشادة بمحاسن اقتصاد السوق المعولم. فلم يعد المواطنون يثقون بأن المنافسة في الأسواق العالمية والمباراة الضارية في البورصات تسبغ النفع عليهم. إن عدد المواطنين النافرين من اقتصاد السوق في تزايد مستمر. أضف إلى هذا أن هؤلاء صاروا يتحفظون على الإطار السياسي المناسب لاقتصاد السوق، وعن الديمقراطية أيضاً؛ وأنهم يشيحون بوجوههم عن الأحزاب السياسية، ويتخلفون عن المشاركة في الانتخابات، ويعتزلون المجتمع. فهم يشعرون بأنهم باتوا بلا عون ولا سند، باتوا يشعرون بأن الدولة تعير اهتماماً للآخرين فقط وليس لهم، وبأن السوق، التي يُفترض فيها أن تحقق لهم الرفاهية، أخذت تتصرف، في كثير من الأحيان، بوحشية لا تعرف الرحمة.

ولإثبات ذلك يذكر الكاتب يكفينا أن نستشهد بالاستطلاع الذي أجرته الصحيفة الاقتصادية فاينانشل تايمز عام 2007، حيث كانت الأغلبية العظمى من مواطني الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا تعتقد أن العولمة خطر يتهددهم. وعلى الصعيد نفسه يقر الرئيس الفرنسي ساركوزي بوجود “فزع متزايد من العولمة” وأنها “خطراً وليس نعمة” وقال أوباما بالحرف الواحد “إننا نواجه أعظم تحد في حياتنا” وفي ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا أكد 90% من المواطنين رغبتهم في أن تحمي الدولة الاقتصاد الوطني بفعالية أكبر.

لقد استُعيض عن اقتصاد السوق المتكلف بالرعاية الاجتماعية بنموذج جديد يتصف بالوحشية والأنانية، ويطلب من بني البشر ما لا طاقة لهم به. فقواعد هذا النموذج لا تحددها الدولة، بل تمليها المشاريع العملاقة وأسواق المال. ففي الثلاثين عاماً المنصرمة كفت الدولة ومعها السياسيون المنتخبون وفق قواعد الديمقراطية عن التدخل في اقتصاد السوق تاركة قوى السوق تصول وتجول بالنحو الذي يطيب لها، أي أن الدولة والسياسيين تركوا الاقتصاد الوطني توجهه حفنة رجال تهيمن على الشركات العملاقة والمصارف ولا تتمتع بأي شرعية ديمقراطية. ومن ذلك الحين، أطلقت الرأسمالية العنان لطاقاتها الجامحة، لطاقاتها المعظمة للرفاهية من ناحية، والمدمرة لوحدة المجتمع من ناحية ثانية.

تفاوت صارخ في توزيع الثروات

وفيما يتعلق بالتفاوت الصارخ في توزيع الثروات يركز الكاتب على الأوضاع في الولايات المتحدة حيث بات التفاوت أكثر تطرفاً. وكذلك في الاقتصاديات الناشئة، حيث تزداد عمقاً وبسرعة الهوة الفاصلة بين الطبقة العليا وباقي المجتمع. فحاصل جمع الثروة التي يمتلكها 1125 مليارديرا في العالم، عام 2008، بلغت 4400 مليار دولار. لذلك، يمكن القول أن هذه الفئة من أغنى الأغنياء تملك ثروة تساوي تقريباً مجمل الدخول التي يحصل عليها في عام واحد نحو ثلاثة مليار مواطن، أي التي يحصل عليها مجمل سكان الهند وباكستان وبنغلاديش وتايلاند وماليزيا وفيتنام والفلبين ودول القارة الأفريقية جميعها.

وقد أقر غرينسبان الرئيس السابق للمصرف المركزي الأمريكي عام 2007 “إن النمو كان في مصلحة الفئات ذات الدخول العالية في المقام الأول، أما العمال الذين يحصلون على دخول لا تزيد على المتوسط المتعارف عليه فإنهم في وضع لا يحسدون عليه أبداً. إن هذه الظاهرة يمكن أن تؤدي إلى توترات اجتماعية عظيمة، لا بل يمكن أن تفضي إلى انقلابات اقتصادية جذرية”. فأغنى الأغنياء، أي 1% من سكان الولايات المتحدة، يملكون أكثر من نصف الأسهم المتداولة في البورصات الأمريكية. وفي ألمانيا تزداد فجوة التباين بين الفئات الاجتماعية المختلفة. فالأغنياء وقادة الشركات والمشاريع اعتزلوا المجتمع وكأنهم يعيشون في عالم آخر. فالدخل السنوي، الذي يحصل عليه رئيس شركة بورشة بلغ نحو 60 مليون يورو عام 2007. وبفضل الأرباح الضخمة يمكن أن يرتفع هذا الدخل إلى 100 مليون يورو عام 2008. والجزء الأعظم من الطبقة الوسطى انحدر نحو الأسفل. فأكثر من 25% من المواطنين الألمان يحصلون على دخل لا يساوي حتى 70% من متوسط الدخل السائد في ألمانيا. وقد قال واكسمان عضو الكونغرس الأمريكي في معرض استجواب الأطراف ذات الصلة بالرواتب الخيالية التي يحصل عليها رؤساء وكبار موظفي الشركات: “توجد في بلادنا حقيقتان مختلفتان: فأغلب الأمريكيين يعيشون في عالم لا يبشرهم بمستقبل اقتصادي مأمون ولا ينطوي، بالنسبة إليهم، على بوادر تمن بالغبطة، بل على إحباط وخيبة أمل. أما قادة مشاريع وشركات بلادنا، فإنهم يعيشون في ظل قواعد وشروط تختلف اختلافاً تاماً على ما يبدو”. ولايزال هناك سياسيون يدافعون عن هذا التفاوت الكبير في الدخول. وينتمي أغلب هؤلاء إلى المحافظين. فهم يؤكدون أن هذه الرواتب الخيالية جزء من الاقتصاد الحر. غير أن الجدل أخذ يزداد حدة في الولايات المتحدة، اليوم، حول مدى التفاوت الذي يمكن للمجتمع أن يرضى عنه. وقد تساءل شيلر وهو احد أشهر الاقتصاديين في العالم “أنريد الانتظار إلى أن يؤدي التفاوت الاجتماعي إلى اندلاع حرب أهلية؟”.

ويشهد الواقع أن المجتمع الصيني ليس منسجماً مع نفسه. فالازدهار، الذي تحقق، أي معدلات النمو البالغة 10%، لم تدر بنعمها على الجميع أبداً. فملايين من الصينيين تخطاهم النمو الاقتصادي ولم يمن عليهم بشيء يذكر: المقصود المزارعين الذي سُلبت منهم الأراضي، وأبناء المدن العاطلين عن العمل، والأطفال الذين لا قدرة لآبائهم على تدبير مصاريف مدارسهم، والمرضى الذين لا يستطيعون دفع تكلفة الطبيب.

ويعيش ملايين من مواطني الإتحاد السوفيتي السابق عيشة الكفاف. ففي حقبة التحول، واختفاء الاقتصاد المخطط، انخفضت دخول الروس العاديين بنحو الثلثين، فاليوم، يحصل نحو ثلاثة أرباع الروس، على دخل أقل من 50 دولاراً، أسبوعياً. بينما حفنة من الأغنياء الذي أثروا بسرعة فائقة تتمتع في سكنى القصور الكبيرة والنزهة بسفنها وطائراتها الخاصة، وتؤمن سلامتها من خلال ما لديها من جهاز أمني. كما اختفت أو كادت تختفي حرية الصحافة. فالصحافة المقربة من الكرملين تسيطر على البلاد، والمعارضة والمنظمات غير الحكومية أمست تخضع لوصاية الدولة.

تتكون، في الاقتصاديات الناشئة، طبقة فقيرة محرومة من ثمار الازدهار الاقتصادي. ويحصل هؤلاء الأفراد، الموجودون في أدنى السلم الاجتماعي، على قوتهم من الأعمال المتواضعة، من خلال خدمة المرفهين الذين يستغلونه كأنهم من الرقيق. ويجمع البعض منهم قوته من القمامة. إن الفقراء نادرا ما تكون لديهم الفرصة لتحسين أوضاعهم المعيشية. حيث ينقصهم أهم شرط للنجاح وهو التعليم المناسب.

وقد لخصة لجنة المبادرة الأردنية الكتاب في المقال التالي:

يتألف الكتاب من مقدمة واثني عشر عنوان رئيسي. ويقع في 472 صفحة. يستعرض المؤلف الأزمة الراهنة، ويعزوها الى غياب تدخل الدولة في السوق، ويصفها بأنها اسوأ أزمة عرفها العالم، منذ أزمة عام 1929، ويعتقد أن الاقتصاد العالمي يتحرك في اتجاه المنحدر بشكل لولبي.  الكتاب غني جدا في سرد احداث تاريخية مر بها النظام الراسمالي. يجري مقارنة عميقة بين نموذجين متتابعين في التداول داخل النظام الرأسمالي الأول: نموذج السوق المحرر من القيود  وهو النموذج الذي يرجع الى الاقتصادي البريطاني “أدم سميث” مع بدء مرحلة الراسمالية قديما، والى المحافظون الجدد واللبراليون الجدد وتبعهم الاشتراكيون الديموقراطيون، في الوقت الحديث، وحمل لوائها حديثا اقتصاديون برجوازيون، من اهمهم، فريدمان الامريكي وهاك النمساوي، الحاصلين على جائزة نوبل، هذا النموذج يعتمد آلية السوق “العرض والطلب”، وتحت شعار ” دعه يعمل دعه يمر”، الذي يمكن وصفه بعد كل هذه الكوارث ” دعه يعمل دعه يدمر”،  وكان الرئيس الامريكي رتشارد نيكسون هو اول من طبقه حديثا، والنموذج الثاني:  نموذج دولة الرعاية الاجتماعية، أو الدولة القوية التي تتدخل في السوق حيثما لزم، وترفع يدها حيثما لزم، دولة تبني شبكة الأمان الاجتماعي، كان أول من طرح هذا النموذج الاقتصادي الانجليزي ” كينز” في العشرينات، وأول من طبقه هو الرئيس الامريكي روزفلت تحت عنوان “New Deal”” اثناء أزمة الكساد  العظيم. يقوم المؤلف بعملية تشريح دقيقة لنموذج ” السوق الاقتصادي المحرر من القيود ” ويطرح بشكل مفزع التداعيات المدمرة لهذا النموذج على المجتمعات والعالم ويصف  السوق ” بقاعات المقامرات” التي ” تجزي بلا حساب وتعاقب بلا رحمة” ويقدم امثلة على عمليات صعود خارقة، وعمليات هبوط ماحقة، لشركات ومؤسسات مالية واقتصادية. يسرد الازمات التي مر بها النظام الراسمالي، عبر متابعة  انهيارات حصلت في الاسواق المالية، ويشخص تداعياتها على الاقتصاديات العالمية، بدء بأزمة الكساد العظيم عام 1929 ، مرورا بأزمة نهاية الستينات التي مهدت لمرحلة الانتقال الى النظام الراسمالي المالي، وانهيار الاسواق الاسيوية منتصف التسعينات، وانهيار اسهم توكنولوجيا المعلومات، بداية الآلفية الثالثة، وصولا  الى الانهيار المالي الكبير منتصف عام (2008)، حيث ارتفعت الاسعار بشكل جنوني، وعمت البطالة، واتسع نطاق الجوع، والتي ما تزال آثاره وتداعياته قائمة وقد تكون غير قابلة للعلاج. يصف الاقتصاديات الصاعدة المتمثلة بالنموذج الصيني والروسي والذين يصفهما بنموذج الرأسمالية الاستبدادية، ليصل الى الاستنتاج بأن تطور النموذج الاقتصادي الناجح ليس مشروطا بالديموقراطية، ويفند مزاعم فوكو ياما حول نهاية التاريخ، وصفه للراسمالية الاستبدادية وصف غير علمي. النظام الصيني يعتمد مبدأ السوق الاشتراكي المتنوع:  قطاع عام وقطاع خاص وقطاع مشترك، بينما النظام الروسي قائم على  القطاع العام يشكل اساسي،  يشكل 80%  من السوق. تنفرد هذه الأزمة بكونها أزمة ركود وازمة تضخم في نفس الوقت، وبذلك يتم تفنيد  نظرية ” العرض والطلب والاسعار” التي تقدسها ثلة الاقتصاديون البرجوازيون. يستنتج المؤلف، بأن على الرأسمالية أن تجدد نفسها من الجذور أو انها ستواجه الانهيار الحتمي وتصبح من مخلفات التاريخ، والمؤلف من دعاة التجديد، من خلال اعادة احياء الدولة القوية الملزمة برسم الحدود للاسواق من غير ان تشل قواه، دولة تمنح مواطنيها الشعور بالأمان والثقة، من غير ان تمارس الوصاية عليهم، دولة تتكفل بأن تكون الراعي الاكيد للمنافسة العادلة، والعدالة الاجتماعية. المطلوب من الدولة ان ترسم الحدود للسوق وليس العكس، أن ترسم السوق حدود الدولة. يمكن تصنيف الكتاب بكونه يقع ضمن “صراع اجتهادات وليس صراع خيارات” اجتهاد من داخل الرأسمالية وليس ضدها.

يطرح اولريش مجموعة من الاسئلة ويحاول متابعتها ورصد تطور الاحداث:

1.     اين بدأت البوادر الأولى لهذا الانهيار؟ 1.كيف واصلت هذه البوادر مسيرتها؟ 2.لماذا لم تقف في وجهها الجهات القادرة على الحيلولة دون استمرارها؟ ويقصد: رؤساء المصارف التجارية، والحكومات، ومحافظي المصارف المركزية، والسلطات المكلفة بالراقبة على المصارف وبيوت المال.

يحدد بداية نشؤ الازمة مع بداية تسعينات القرن العشرين، في الاقتصاديات الناشئة، ويعتبر انها بلغت الذروة في الدول الصناعية في مطلع الآلفية الثالثة، انهارت اسهم الشركات المتخصصة في التكنولوجيات الجديدة،( فالحروب التي شنتها ادارة المحافظين الجدد، جاءت في سياق المبدأ الامبريالي، الخروج من الأزمة عبر الحروب الخارجية، وليس لمحاربة الارهاب كما يدعوا، ولكن هذا الخيار اثبت فشله). ومنذ ربيع 2007 اخذت الأزمة المالية تزعزع اقتصاد الولايات المتحدة الامريكية برمته. وتعاظمت هذه الأزمة في العام 2008 فاتخذت ابعادا عالمية، ويحاول المؤلف شرح العوامل التي قادت الى الكارثة، وما يجب عمله لوضع حد لهذا الانهيار، ورسم صورة للمخاطر التي تحيط بهذا العالم. فيطرح الاسئلة التالية:

هل العالم على ابواب تدهور اقتصادي طويل المدى؟ هل سيسقصد في الهاوية مع سقوط النظام المصرفي؟ هل سيعصف بالعالم  الويلات التي عصفت به في ثلاثينات القرن العشرين؟ هل سترتفع البطالة الى المعدلات التي بلغتها ابان أزمة الكساد الكبير؟

يسنتج: ان الاقتصاد، الذي عرفناه حتى الآن، انهار في خريف العام 2008 بكل تأكيد. وان العالم سيتخذ شكلا مختلفا في المستقبل، سيطفو على السطح نظام عالمي جديد بكل تاكيد، سيتبلور اقتصاد سوق جديد، سيتبلور اقتصاد سوق قائم على مبادئ العدالة الاجتماعية. أو ان هذا هو الأمل الذي يراوده.

يرصد مدى الهزة العظيمة التي خلّفها اقتصاد السوق المحرر من القيود، في المجتمع الالماني ويعدد مظاهرها التالية: تفكيك في بنية المجتمع، وماهية الفئات التي تعرضت أكثر من غيرها للمعاناة، وبحسب غرابكا – الذي هو واحد من اشهر العاملين في المانيا في مجال البحوث المختصة بتوزيع الدخول والثروات – تعمق التباين بين الاغنياء والفقراء، ففي حين استطاع العشرة في المائة من المواطنين المنعمين تحقيق ارتفاعات متسارعة فيما يحصلون عليه من دخول، أمسى لزاما على العشرة في المائة من الفئات الموجودة في أدنى السلم الاجتماعي تدبير متطلبات العيش بدخول أدنى من من الدخول التي كانوا يحصلون عليها مطلع التسعينات. فيما تراكمت لدى العشرة في المائة من المواطنين الموجودين في اعلى السلم الاجتماعي ثروة تساوي ستين في المائة من ثروة المجتمع، ثروة تشتمل على اموال نقدية وأوراق مالية وعقارات، ظل نصف المجتمع لا يمتلك منها الا القليل. فحتى نهاية القرن العشرين ، كانت اللامساواة في توزيع الدخول هينة، الى حد ما، في المانيا، لكن الأمر تغير في السنوات الخمس الأخيرة، فالمانيا تخطت كثيرا من البلدان في هذا المضمار، فاللامساواة تفاقمت بشكل مفزع .

أن الطبقة الوسطى، على وجه الخصوص هي التي ستذوق مرارة هذا التحول، فبينما كان عدد ابناء الطبقة الوسطى في العام 2000 يبلغ في المانيا 49 مليون مواطن، تراجع خلال سبع سنوات اكثر من عشرة بالمائة، أي خمسة ملاين اقل. وجزء ضئيل من هؤلاء استطاع أن يرتقي الى مرتبة اعلى، والجزء الأعظم منهم انحدر الى مصاف الثلث الأخير من السلم الاجتماعي.

ان عدد المواطنين النافرين من اقتصاد السوق في تزايد مستمر، ولم يعودوا يثقون بأن المنافسة في الاسواق العالمية والمباراة والمضاربة في البورصات تسبغ النفع عليهم ايضا. كما واصبحوا يتحفضون على الاطار السياسي المناسب لاقتصاد السوق، وعن الديموقراطية ايضا. ويستشهد بشخصيات عالمية: فوزير المالية الألماني هورست شتاينبروك، يحذر من “أزمة الشرعية” في المجتمع الغربي (الرأسمالي). ويقر الرئيس الفرنسي ساركوزي بوجود “فزع متزايد من العولمة”. ويقول لورنس سامرز، اشهر الاقتصادين في الولايات المتحدة: ” اننا نشهد فزعا من اقتصاد السوق المحرر من القيود ما كان له وجود قط،  قبل انهيار الجدار”.

كانت تبدو الرأسمالية، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، اقوى منها في أي عصر مضي، لكن اقتصاد السوق المتكفلة بالرعاية الاجتماعية استعيض عنه بنموذج جديد يتصف بالوحشية والأنانية، “فقواعد هذا النموذج لا تحددها الدولة، بل تمليها المشاريع والشركات العملاقة واسواق المال”، وتركت قوى السوق تصول وتجول، لتعظيم رفاهية حفنة من البشر، وتدمر وحدة المجتمع.

الراسمالية المعولمة تقضي على فرص العمل بلا هواده، واصبحت الجوانب البشعة في اقتصاد السوق لا تلاحق فقط اصحاب الدخول المنخفضة والعاملين غير المؤهلين تأهيلا جيدا، بل تنشر ظلالها على الجمهور العريض ايضا. فمثلا سرحت شركة سيمنز في المانيا حوالي (6400) فرصة عمل كان اغلبهم يعمل في الاقسام الادارية. ، فبينما يسقط بعض ابناء الطبقة الوسطى ببطئ، يسقط آخرون منهم الى الهاوية بنحو مفاجئ وسريع.

تنسحب المصارف من العقود التي ابرمتها، ويتم التوسع في المتاجرة بعقود الدين، ويكاد النظام المالي أن يقوض اسس الاقتصاديات الوطنية، فالأزمة المالية التي اندلعت في الولايات المتحدة في ربيع عام 2007، تحولت الى خطر ماحق يهدد الاقتصاد العالمي برمته. حيث وثقت العولمة العلاقات بين الاشياء والفعاليات: البورصة في شانغهاي على علاقة بمثيلتها في نيويورك، والقروض والعقارات الامريكية على صلة وشيقة بالمدخرات الالمانية، وفرصة العمل في فيتنام وثيقة العلاقة بفرصة العمل في برلين. اصبح العالم اسرع، وما يحدث في طرف نلمس تأثيره في طرف آخر.

استقطاب حاد داخل المجتمع، فالهوة في المجتمع تزداد اتساعا نتيجة: التفاوت الهائل في توزيع الدخول فالهوة تزداد اتساعا، بين الفقراء والاغنياء. فالعشرة بالمئة في ادنى السلم الاجتماعي في المانيا، اصبحت تعيش بدخل ادني من الدخل المتاح لها قبل اربعة عشر عاما بنسبة بلغت، في المتوسط، 13%، أما اغني عشر بالمئة فقد زاد دخلهم الحقيقي 31%، حسب بيانات المعهد الالماني للبحوث الاقتصادية.  ومن المسلمات ان تعاظم التفاوت يؤدي لا محالة الى تمزيق وحدة المجتمع،    فمع ازدياد غضب المحرومين يزداد المجتمع تفككا.   بينما في الولايات المتحدة فالحدة اكثر اتساعا، ففي مطلع الثميننات كانت النسبة القائمة بين دخل الفرد الواحد من رؤساء الشركات الامريكية ودخل العامل العادي تبلغ اربعين الى واحد في المتوسط، بلغت في نهاية التسعينات اربعمائة الى واحد، وبلغت النسبة في الوقت الراهن أربعة الآف الى واحد(2007).     من ناحية أخرى فان دخول الثلاثة عشر الف عائلة، تساوي مجموع الدخول التي يحصل عليها عشرون مليون من الاسر الفقيرة،      في حين ان 2.7 مليار من البشر دخلهم اقل من دولار واحد في اليوم، فهذا النظام يجازي بلا حساب ويعقاب بلا رحمة. والتفاوت في توزيع الثروات اعظم بكثير من التفاوت في توزيع الدخول. بحسب المعهد الالماني للبحوث فأن     مجموع الثروة في المانيا عام (2007) بلغت خمسة آلاف وأربعمائة مليار يورو،    فنحو 60% من هذه الثروة (3240) مليار، تتركز في يد (10%).      وحاصل الثروة التي يمتلكها (1125) ملياردير في العالم تبلغ اربعة الآف واربعمائة مليار دولار،   وهي تعادل مجمل دخل ثلاثة مليار مواطن في عام واحد.    وأتساع رقعة التفاوت في توزيع المخاطر: فالأزمة المالية التي عصفت في العالم دفع ثمنها المواطنين مرتين، ففي الوقت الذي تم تبديد مدخارتهم، تم الزامهم جميعا بتحمل الاعباء المالية التي ترتبت على أزمة المصارف، فعلى حساب دافعي الضرائب تم انفاق المليارات لانقاذ هذه المصارف، ويتم تسريح العمال والعاملين، في حين لم يتحمل المسؤولين عن انتاج الأزمة أي عبئ. لا بل وحسب العقود التي توقعها الشركات الكبرى فانها تدفع مكافئات مجزية لنهاية الخدمة لقادة هذه الشركات.      والتفاوت في توزيع فرص التعليم فابناء الاغنياء يتمكنون من تحصيل التعليم في ارقى المدارس واحسن الجامعات مما يمكنهم بالمرونه والتحرك في الاقتصاد المعولم بيسر وسهولة على العكس من ابناء الكادحين الذين لا يمتلكونها.

جزء 2

نشؤ الأزمة الحديثة

يعتقد المؤلفان الأزمة مرتبطة بنشؤ اقتصاد السوق المحررة من القيود، وأن هذا الاقتصاد لم ينشأ بنحو عفوي. كما انه لم يتبلور بفعل مؤامرة حاكتها سرا الشركات العملاقة والمصارف:

بل انه في المقام الاول الحصيلة التي افرزتها قرارات سياسية كثيرة ، كما يعتقد المؤلف، على مدى ما يقرب من خمسة وثلاثين عاما حيث دأبت البرلمانات والحكومات على تحرير الاقتصاد من القيود، من خلال فتح ابواب اسواق المال على مصرعيها وتجريد النقابات العمالية من قوتها، وخفض الضرائب وخصخصة الشركات الحكومية، وهكذا وشيئا فشيئا، انسحبت الدولة من التدخل في الاقتصاد تاركة الساحة للسوق وقواها الذاتية.

وتم طرح هذا التحول بوعود براقة تحت عناوين ” لو حررتم السوق فعلا من القيود التي تكبلها، فانكم ستحققون مزيدا من الرفاهية لشعوبكم. انكم لو تركتيم قوى الرأسمالية تتفتح وتعمل باقصى طاقاتها، فتسضمنون لاقتصادياتكم الوطنية ان تنمو بأسرع من الوتيرة التي تدور في خلدكم، ولو أفلحتم فعلا في الحد من التدخل الحكومي، الذي شل اقتصادياتكم الوطنية في الستينات والسبعينات، فأنكم ستضمنون لأوطانكم تحقيق مزيد من النمو الاقتصادي “.

ويتطرق الى منظري اللبرالية الجديدة، الداعين لهذا النهج: منهم، ميلتون فريدمان، امريكي فاز بجائزة نوبل للعلوم الاقتصادية في العام 1976، ومنهم فريدريش آغوست هايك النمساوي الذي فاز في العام 1974 بجائزة نوبل للعلوم الاقتصادية (لآحظ ان الاثنين قد فازا بجائزة نوبل، التي جرّت نظريتهما ويلات على البشرية).

من المهم ملاحظة أراء ومواقف هؤلاء المنظرين البرجوازين من مفهوم الانسانية والعدالة الاجتماعية، والرعاية الجتماعية، وحقوق البشر، للتعرف على زيف ادعائات النخب التابعة في بلادنا، عن شرط الاندماج في السوق العالمي لاحداث التنمية والتحديث لمجتمعاتنا.

يقول فريدمان ” أن السوق ليست العدو الحقيقي للمواطنين، بل دولة الرعاية الاجتماعية، فالدولة هي التي تتسبب في شل الاقتصاد وفي تثبيط النمو. ووظيفة الضريبة هي أن تكفي لتمويل الوظائف والمهمات الحكومية، الجيش وجهاز الشرطة والنظام القضائي والجهاز الاداري المتسم بالرشاقة”، نلاحظ ما تردده قوى التبعية في الاردن في هذا المضمون. وأن السوق تعمل بالكفاءة المنشودة دائما وابدا، وأنها، هي وحدها تؤدي وظيفتها على النحو المطلوب (ايمان غيبي بآلية السوق).

ويعلق باول كروغمان الاقتصادي الامريكي الحائز على جائزة نوبل في العام 2007 بالقول ” أن فريدمان قد تسبب بوجهة نظره هذه في خلق اخطاء سياسية عظيمة الخطر. فانطلاقا من افكاره اسرع الكثير من البلدان النامية الى رفع العوائق من أمام حركة رؤوس الاموال الاجنبية،( لم يتطرق الى انهااملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين، وليس خيارا) واندفعت البلدان الصناعية الى تحرير اقتصادياتها من القيود وخصخصة القطاعات الحكومية وشبه الحكومية. ويتابع ” أن فريدمان خلق مناخ فكري يغطي فية الايمان بكفائة السوق وازدراء دور الحكومات على حقائق الأمور في كثير من الاحيان”.

اكتسب فردمان شهرته من كتاب ألفه مع أنا شفارس بعنوان” تاريخ نقدي للولايات المتحدة”

يعتبر ان تدخل الدولة في السوق هو الخطاء الاكبر ويؤكد على ان السياسة لا قدرة لها على التحكم في النمو الاقتصادي على نحو مباشر، وان هذا الموضوع من اختصاص قوى السوق في المقام الاول. واستغرب فريدمان ان تطبق افكاره حكومات يسارية، المانيا والسويد. فالحزب الاشتراكي في المانيا ينفذ رغبات السوق، ويخفض الانفاق الحكومي، ويقلص شبكة الرعاية الاجتماعية، وينفذ اصلاحا ضريبيا شجاعا.

عمل فريدمان مستشارا للدكتاتور التشيلي بينوشيه، واقترح اخضاع المريض(الاقتصاد التشيلي) لصدمة قوية لا تعرف الرحمة، وهكذا راح الدكتاتور يخفض الضرائب على الشركات ، كما خصخص المئات من الشركات والمؤسسات الحكومية، والغى النقابات العمالية، وفتح ابواب القطاع المالي على مصاريعها.

اما هايك الاقتصادي النمساوي، فهومفكر متطرف في عقيدته، وكان قد ألف كتاب ” الطريق الى العبودية” يزعم أن كل الصيغ القائمة على التخطيط الاقتصادي تفضي الى الدولة الاستبدادية، ويزعم ان موضوع ” العدالة الاجتماعية” موضوع لا يجوز للمرء ان يشغل نفسه به، كما ويرفض مصطلح “اجتماعي” جملة وتفصيلا.

أسس مع غيره في عام 1947 “جمعية مونت بليرين” التي اصبحت مع مرور الزمن واحدة من اهم منتديات العالم، وظلت هذه الجمعية مجهولة لفترة طويلة بالرغم من حصول ثمانية من اعضائها على جائزة نوبل.

ومع الوقت توزع المفكرون اللبراليون عل ثلاث مدارس مختلفة، نتيجة الاختلاف بشأن دور الدولة في الحياة الاقتصادية، ومدى ايمانهم بقدرات السوق على تحقيق النتائج المرجوة منها:

1.مدرسة فرايبورغ: التي تحبذ قيام الدولة بممارسة اوسع دور ممكن، وعليها ان تمنع الاحتكار كما تطالب الدولة بانتهاج سياسة اجتماعية “موائمة لمتطلبات الاسواق”، وان موضوع العدالة الاجتماعية أمر لا يجوز التقليل من شأنه ابدا..

1.مدرسة شيكاغو: تلعن الدولة وترفع من شأن السوق ويجعلونها المحور الذي تدور حوله افكارهم.

1.المدرسة النمساوية: تعتبر الحرية الشرط الضروري لتحقيق الرفاهية، ويجب الدفاع عنها “بكل شجاعة ونظريا وعقائديا” وانه لا يجوز بأي حال من الاحوال ” التنازل عن شيء منها تلبية لوجهات نظر تنطلق من متطلبات عملية”.

ان العودة الى تحرير اقتصاد السوق من القيود كانت ثورة فرضتها الحكومات على المجتمعات كما يصفها المؤلف، في مطلع  السبعينات في الولايات المتحدة وانتقلت شرارتها الى اوروبا، ومن ثم الى اقتصاديات الدول الصاعدة، بدأ بها الساسة المحافضون ثم انضم اليهم الاشتراكيون الديموقراطيون.

وجاءت هذه الخطوة على اثر أزمة، شلت النمو الاقتصادي وتسببت في ارتفاع مستويات الاسعار بمعدلات كبيرة، فسّرت من قبل الاقتصادين البرجوازين، وتبناها المؤلف، بانها وليدة الفهم الزائف من قبل الحكومات للكنزية، حيث تم تحميل دولة الرعاية الاجنماعية اعباء لا قدرة لها على تحمله، مرة أخري تفسر أزمة الراسمالية بأنها نشأت نتيجة اخطاء، وليس أزمة النظام الرأسمالي ذاته. ومن هنا جاءت الثورة المضادة للفكر الكنزي.

ففي شهر آب من عام 1971 اعلن الرئيس الامريكي نكسون انتهاء العمل باسعار الصرف الثابته، فقد تخلى عن تعهد الولايات المتحدة بتحويل الدولار الى ذهب لغير المقيمين.

جاء هذا الاعلان ابان الحرب الفيتنامية، والاقتصاد الامريكي في حالة انهيار، فالاسعار في ارتفاع متواصل، وجماهير العاطلين عن العمل في تزايد دائم، والبورصات تترنح بلا انقطاع، والدولار اشرف على الهاوية، حيث دأبت الادارة الامريكية على طبع مزيد من الدولارات بغية تمويل حربهم المكلفة، اصبح الدولار يخسر من قيمته بوتائر سريعة، والذين يملكون الدولار بدأو بتحويله الى الذهب.

فما السبيل للخروج من هذه المآزق الفادحة؟.

اتخذ نيكسون قرارا يقضي بعدم جواز ارتفاع الأجور والاسعار خلال التسعين يوما المقبلة، كما قرر فرض ضريبة استثنائية على الاستيراد بنسبة 10% من اجل حفز المواطنيين على شراء السلع الوطنية. بالاضافة الى انهاء العمل بالاسعار الثابته،

ابان ادارته بداءت الولايات المتحدة عملية تحرير واسعة لقطاعات اقتصادية اخرى كانت خاضعة لرقابة الدولة، وهكذا اندلعت حقبة التحرير والخصخصة. وحذت دول العالم حذوها.

اجراءات نكسون هذه فتحت الطريق اما تطور غير ملامح الاقتصاد العالمي خلال الخمسة وثلاثين السنة القادمة. وفي اسواق المال على وجه الخصوص، بانت بنحو ساطع التحولات المفزعة التي افرزها تراجع دور الدولة في الشأن الاقتصادي،

والذي اشر الى بزوغ  فجر ما صار يعرف بالعولمة.

فالشركات والمستثمرون اصبحوا يتاجروا بالعملات، بلا عائق، واصبحت البورصات تستقطب المضاربين، باكثر من ثلاثة ترليونات دولار في اليوم الواحد، أي نحو 90 ضعف التجارة السلعية العالمية، وارتفع حجم المعاملات في بورصات الصرف الاجنبي الى اربعة اضعاف القيمة التي سجلها العام 1992، وارتفع من عام 2004 الى عام 2007 بمقدار الثلثين.

وأخذت تظهر في الاسواق بضائع مالية ما كانت معروفة في السابق، فبالاضافة الى التعامل بالمشتقات، التي كانت في غاية البساطة، معاملات أجله، يتفق فيها الطرفان على بيع سهم أو برميل نفط أو طن قمح بعد بضع اسابيع بسعر محدد متفق عليه في اليوم الحاضر. وازداد التعامل بهذه البضائع المالية مع مرور الزمن، ظهرت منذ الثمانينات بضائع مالية تزداد تعقيدا، وفي كثير من الاحيان لا تفقه السلطات المكلفة بالرقابة كيفية عملها، على سبيل المثال:

سندات دين مضمونه بالقروض المضمونه بالعقارات. سندات مضمونه بالاصول. سندات مضمونه برهن العقار

وتتخفى خلف هذه المسميات حزم قروض صارت تجوب العالم كله، وتنتقل من مستثمر الى آخر ، وبلغت قيمتها 592 تريليون دولار ، أي عشر اضعاف قيمة السلع والخدمات التي ينتجها مجمل سكان العالم، وستة اضعاف القيمة التي كانت قد بلغتها هذه المشتقات قبل سبعة سنوات.

ودخلت الصناديق السيادية وصناديق التقاعد وصناديق التحوط، في ساحات المضاربات، ما كانت لتدخلها لو لم تتم عملية تحرير اسواق المال. وكان ارثر برونز محافظ البنك المركزي في ادارة نيكسون قد تنبأ في السبعينات بانلاع هذه المخاطر، فوفق تنبؤاته ” يؤدي تحرير أسواق المال الى شقاء الانسانية بكل تأكيد”.

فحتى مطلع السبعينات كانت القطاعات الانتاجية هي التي تهيمن على الاقتصاد، أما المصارف فان دورها كان ذا طبيعة خدمية، تزود القطاع الانتاجي بالنقد الذي تحصل عليه من المدخرين.وعلى صعيد آخر، كانت الدولة حتى ذلك الحين هي التي تحدد لأسواق المال ما يجوز لها فعله وما لا يجوز، وكانت هي التي تحدد اسعار الفائدة.

اضعاف النقابات شرط تمرير مخططات اللبرالية الجديدة.

مارغرت تثاشر- المعركة ضد النقابات العمالية: كان تطبيق هذه السياسات رهن بنتائج المعركة ضد النقابات العمالية تحديدا، وبعد بضعة اسابيع من تسلم مارغرت تثاشر الحكم، شرعت حكومتها ” قانون العمل” اللازم لكسر شوكت النقابات، وجرى تشريع اربعة قوانين اخرى، بهدف منع النقابيين من تشجيع العمال على ممارسة الاضرابات غير القانونية، اي تمنعهم من القيام باضراب من غير ان تقوم باستطلاع راي العمال، وثانيا حظر قيام العمال بالاضراب عن العمل تلبية لطلب نقابة في الاضراب للتضامن مع مطالب نقابة اخرى، وثالثا منع اكراه الشركات على تشغيل العمال المنظوين تحت راية التنظيمات النقابية فقط.

ففتحت معركة ضد عمال المناجم في شهر اذار من عام 1984، من اجل اغلاق 20 منجما من المناجم الحكومية البالغ عددها 176 منجما، وكان هذا القراريهدد بضياع 20 الف فرصة عمل،وان اغلاق الخمسين منجم قادم بعد ذلك بفترة قصيرة، بهدف تحطيمهم، استمرت المعركة كسر العظم 51 اسبوعا، لم تشهد بريطانيا طوال حياتها مثيلا له في صيدام شوارع. وكانت الحصيلةهي اعتقال 9000 عامل واصابة 1400 عامل وشرطي بجروح كان بعضها خطير جدا، كما قتل خمسة مواطنيين، وقدرت الخسائر بثلاثة ملياردات جنيه، وكان مردوده على كافة النقابات العالمية.وعلى الرغم مما  اجرت من عمليات اصلاح لم تستطع حكومة تثاشر من انعاش الاقتصاد، فارتفعت الاسعار بمعدلات تتاروح بين 8 و 9% في كل عام. كما تدهورت الصناعة، فلعديد من مصانع الحديد والصلب اغلقت، والترسانة البحرية صارت لا تكاد تحصل على عقود جديدة، والصناعة المعدنية اخذت تعلن الافلاسوصناعة الدراجات البخارية والسيارات، وقد عرضت للبيع.

بمقابل هذه المدرسة كانت مدرسة كنز السائدة الى ذلك الحين، تؤمن بأهمية الدولة القوية، القادرة على توجيه الاقتصاد الوطني، ومن انصار تدخل الدولة لوضع حد لكساد ولانعاش النشاط الاقتصادي. كنز شهد عن كثب كيف خسر الاوروبيون والامريكيون فرص عملهم بعد انهيار البورصات العالمية في العام 1929 وكيف انهارت النشاطات الاقتصادية انهيارا فضيعا، حتى عام 1932 خسر الانتاج الوطني الامريكي ثلث قيمته،كما وتراجعت قيمة العقارات فخسرت ثلث قيمتها، وارتفعت البطالة من 1.5 مليون الى 13 مليون. وكان على ثقة بأن الكساد الكبير لا يمكن تفسيره من خلال النظريات اللبرالية، التي تزعم ان الاقتصاد يحقق مستوى التشغيل الكامل للايدي العاملة على نحو عفوي، طالما كانت الاجور مرنة وقابلة للانخفاض بالقدر المناسب.

بيد ان الامور تطورت بشكل عكسي ابان ازمة الكساد الكبير، فبينما انخفضت معدلات الاجور في المانيا وامريكيا بنسبة بلغت 25% ، ارتفع عدد العطلين عن العمل بشكل مفزع، بحث بلغ في المانيا نسبة 30% وفي امريكيا نسبة 25%.

استنتج كينز بأن الطلب على السلع هو العامل الحاسم، فالاقتصاد يصل الى التشغيل الكامل فقط في حالة ارتفاع الطلب السلعي الى المستوى المناسب.

اما اذا امتنع المستهلكون واصحاب المشاريع عن انفاق اموالهم فزعا من تردي الوضع الاقتصادي، عندئذ لا بد من تدخل الدولة بغية التغلب على التشائم بانفاق المال.

اخذ كنز يطور نموذجه المضاد للبرالية والقائم على وجود الدولة القوية، طرحه في مؤلف عام 1936 بعنوان ” النظرية العامة للعمالة والفائدة والنقود”، الدولة مطالبة بأن تزيد من انفاقها في عصور الكساد، وان تقلصه في عصور الازدهار، ولا مانع من ان تمول الدولة انفاقها المتزايد من خلال القروض، على ان الاقتراض يجب ان يكون الاستثناء.

نقل عن ونستون تشرشل القول ” حينما تسائل ثلاثة اقتصادين عن ارائهم بشأن موضوع معين، فانك تحصل على اربعة اجوبة مختلفة، اثنان منها من بنات افكار الاستاذ كينز”.

وسرعان ما طبق الرئيس الامريكي روزفلت نموذج كنز، ” New Deal” كبرنامج قادر على تخطي الكساد، 1.ضخ روزفلت المليارات في الاقتصاد، وشدد السلطة الراقبية الصارمة على الاوراق المالية والتحويل الاجنبي.

2.     استحدث صندوقا لضمانة حقوق المودعين.

3.     وشيدت مؤسسات تضفي الاستقرار على سوق العقارات السكني/ وكانت شركة ” فاني ماي” التي انهارت في هذه الازمة احداها.

4.     وتضمنت هذه السياسة شق الشوارع وبناء المساكن والجسور والسدود ودفع رواتب تقاعدية للمتقاعدين، وتأسيس شركات للتأمين ضد البطالة وخفض المعدلات الضريبية المفروضة على الفقراء، وزيادة هذه المعدلات على اصحاب الثروة والدخول المرتفعة، على العكس مما يحصل راهنا في الاردن. وانتقل تطبيق نموذج كنز الى الدول الاوروبية.

بعد الحرب العالمية الثانية اجتمع في ” بريتون وودز” القرية الجبلية الواقعة في الشمال الشرقي من الولايات المتحدة 730 مندوبا مثلوا 44 بلدا بهدف تاسيس نظام مالي جديد للعالم، مستقر بعيدا عن افكار اللبرالية:

· حيث اتفق المجتمعون على ان تنتهج دول العالم نظام اسعار الصرف الثابته، تناط بالحكومات والبنوك المركزية، وليس المتاجرون في البورصات، القيم الخارجية للعملات المختلفة.

واتفقوا على ان تقييد حركة رأس المال يخدم مصلحة كل الشعوب، وعلى خلفية وجهات النظر هذه، اتفق المندوبون على انشاء مؤسستين يناط بهما الاشراف على عمل النظام الاقتصادي:

صندوق النقد الدولي باعتباره المؤسسة المكلفة بمساعدة الدول العاجزة عن تسديد ما في ذمتها من ديون.

البنك الدولي بصفته المصرف المخصص للمشكلات التي يعانيها الفقراء والجياع.

يعتقد المؤلف أن الاسئلة والموضوعات التالية هي التي سيدور حولها الجدل في السنوات المقبلة:

ما البديل المناسب لاقتصاد السوق المحررة من القيود (الاقتصاد اللبرالي) ؟

وما الاساليب المناسبة لترويض الرأسمالية وللانتفاع في الوقت ذاته من قواها الضرورية لرفع مستوى الرفاهية؟

ما القواعد الضرورية لازدهار الاقتصاد والديموقراطية في آن واحد؟.

ويحاول الاجابة عن السؤال الاساسي الذي سيطرحه السياسيون والمواطنون وقادة المؤسسات الاقتصادية على انفسهم في السنوات القادمة ماذا يمكن عمله وماذا يتعين فعله وماذا ينبغي انجازه لكي لا يدمر اقتصاد السوق نفسه بنفسه؟

ما الصفة الجديدة التي لا بد للرأسمالية من تبنيها لكي تكون قادرة على مواصلة الحياة،

وما المتطلبات الضرورية لتحقيق اقتصاد سوق يتكفل فعلا بالرعاية الاجتماعية؟

وقبل كل هذا وذاك أهناك مستقبل مضمون للرأسمالية اصلا؟

بحسب المؤلف، ان اليسارين واليمنين، هم المتلاعبين بمشاعر العامة وهم في المقدمة التي تتبنى هموم المواطنين، فبخطاباتهم الرنانة وكلماتهم المعسولة يدغدغ هؤلاء مشاعر الناس البسطاء ويعاهدونهم على انهم سيغيرون جميع مناحي الحياة وسينجزوها بنحو افضل، وتزداد انطلاء يوما بعد يوم، خدعة الحلول الساذجة:

فمن هو ذا الذي يريد الوقوف من كثب على مصدر المليارات التي لا غنى للمتلاعبين بمشاعر العامة من انفاقها على ما يذيعون على الملأ من برامج اقتصادية واجتماعية؟

من سيمعن النظر في الاسلوب الذي سيسلكه المتطرفون حيال الشركات العولاقة التي يريدون تأميمها، أي تحويل ملكيتها الى ملكية حكومية صرفة، ومن هو الذي سيدرك بيسر مغزى أن تنعزل الأمم بعضها عن بعض، وتقيم الحواجز في وجه التجارة الخارجية وتتحول ثانية الى تكتلات تجارية منكفئة على نفسها؟

مواقف بعض زعماء العالم من النظرية اللبرالية الجديدة:

بينما كانت مريكل تؤمن ايمانا عميقا بحرية السوق، صرفت النظر عن تنفيذ افكار الاصلاحات المتطرفة بالكامل،فمارغرت تثاشر الالمانية تحولت الى نسخة انثوية للمستشار فيلي برند، وهي التي عارضت على مدى زمن طويل تدخل الدولة تبشر حاليا بضرورة تدخل الدولة في شؤون الاقتصاد.

وهي تفرض حدا ادنى للأجور، وذلك لحماية العاملين في المصالح البريدية وفي مجال البناء والتشيد وتنظيف العمارات من مغبة منافسة الايدي العاملة الزهيدة الأجور (الاجنبية).

كما امست تؤيد تشريع قانون يراد منه حماية الشركات الألمانية العملاقة من استحواذ مستثمرين اجانب عليها. كما قامت بتأميم المطابع العاملة في خدمة الدولة وتبذل قصارى حهدها لترويض اسواق المال.

وكانت مركل قد صورت ما طرأ على موقفها من تحول حين قالت ” لقد كان الشعار المرفوع على مدى طويل من الزمن:

اتركوا الأمور كلها للاسواق، أما الأن فان المرء قد توصل الى تصور مخالف لحسن الحظ”. بينما يقول ساركوزي الرئيس الفرنسي، ان العولمة تميل الآن الى أن تكون”خطرا وليس نعمة”. كما ترفض  الحكومة الايطالية التي يرأسها السياسي اليميني بيرلسكوني “الايمان المتطرف بقوى السوق”. اما امريكا فانها تحث اليوم الاوربيين على المشاركة في وضع القيود على عمل النظام الرأسمالي.

ورغم ذلك فلا أحدا من هؤلاء القادة لديه برنامج شامل لمواجهة الانهيار، فالحكومات تحاول يائسة الحد من قوى السوق وذلك من خلال قوانين وردود فعل تحاول اصلاح الحال باساليب خطيرة، ومن خلال قدر يسير من الحماية التجارية، ومع انها قد عقدت العزم على التخفيف من حدة التحولات، لكنها تقف حائرة حيال الخطوات التي يتعين عليها اتخاذها.  فهي تحاول العثور على  قواعد جديدة على اسلوب يضمن ترويض السوق من غير تعطيل القوى العاملة فيه( معنى ذلك تغير قواعد السوق وليس تغير بنيته الفاشلة، بالتأكيد لن تنجح)*.

الديمقراطية تزدهر وتواصل الحياة فقط عندما يشعر المواطنون بأن النتائج التي تولدت عن الديموقراطية وعن اطارها الاقتصادي اقتصاد السوق تتصف بالعدالة.

كما قال كينز “ان الاقتصاديين يتنصلون من التزاماتهم حين لا يقولون لنا، في اوقات الاعاصير، اكثر من ان البحر سيعود الى الهدوء حين يكون الاعصار قد ولّى عنا وانتهى”.

ويسوق المؤلف نموذجين للراسمالية، كما يصفهما

الراسمالية المحررة من القيود كما هي الحال في دول الراسماليات الغربية

والراسمالية الاستبدادية كما هي الحال علية في دول الراسماليات الشرقية الصين وروسيا

ففي الصين: الحزب الشيوعي يحكم البلاد بيد قوية وصارمة (مركزية) ، والدولة توجه الحياة الاقتصادية وتخطط تطورها، وتتحكم في خطط تنمية الاقاليم، ففي هذا العام ستكون في الصين ( 109 ) مدن كبرى،  ويتراكم في المصرف المركزي احتياطي يبلغ ( 1.8) مليار دولار  وحسب تقدير مؤسسة كارنغي ستكون الصين الامة الاقتصادية العظمي في العالم في العام 2045، وكما يعتقد مصرف غولدن ساكس ان الصين ستتفوق اقتصاديا على الولايات المتحدة في العام 2035،

بينما اقامت روسيا الدليل على ان الديموقراطية واقتصاد السوق لا يرتبط الواحد منهما بالاخر بالضرورة.

فالقطاع العام المؤلف من حوالي خمسمائة مؤسسة وشركة تساهم بنحو ( 80% ) من مجموع الناتج الوطني الاجمالي.

واستولت الدولة على قطاع الطاقة البترول والغاز،

وانهت ما يسمي حرية الصحافة.

يقول المؤلف ان الروس والصنين يتحدون الغرب براسماليتهم الاستبدادية:

فعلى الرغم من انهم يغتنمون المنافع التي تسبغها عليهم المنافسة العالمية ويغزون الاسواق الاجنبية بما لديهم من موارد اولية وسلع منتجة فانهم يغلقون اسواقهم في الوقت ذاته وبهذا المعنى فان الراسمالين المستبدين يجمعون بين  منافع اقتصاد السوق وهيمنة الدولة على الحياةالاقتصادية

انهم يريدون تمكين مواطنيهم من زيادة رفاهيتهم لكنهم يحجبون عنهم الحرية المتعارف عليها في الانظمة الديموقراطية.

انه يحذر بما يلامس حدود العنصرية من سيطرت رساميل ما يسميها بدول الراسماليات الاستبدادية، على المؤسسات والشركات الغربية، ووصف الاستبدادية يستخدمه لوصف كافة الدول الصاعدة اقتصاديا والتي هي ليست أوروبية او امريكية.

وبهذا النحو تقيم الدول المسيرة بنحو صارم الدليل الساطع على زيف افكار فوكوياما فالتاريخ لا نهاية له.

وكان المؤرخ (عزار غات) في مجلة الشؤون الخارجية قد كتب عن ” العالم الثاني غير الديموقراطي، باعتبار ان هذا العالم يمكن ان يغدو خيارا جيدا وبديلا ناجحا من الديموقراطية  اللبرالية”

فالدول المحكومة بنحو استبدادي حققت في السنوات الاخيرة من عقد التسعينات معدلات نمو بلغت اربعة اضعاف المعدلات التي حققتها الدول الصناعية الديموقراطية.

استخلاصات

1. الكتاب مرافعة بارعة ضد اقتصاد السوق المحرر من القيود، أي ضد ايدولوجيااللبرالية الجديدة، ومع الدولة القوية العادلة، ومع دورها في التدخل في السوق.

2. يرجع المؤلف اسباب  نشؤ الازمة الى قرارات سياسية خاطئة، والى غياب دور الدولة الرقابي، وعدم القيام بدورها التدخلي في شؤون السوق، وليس العكس، أي روئية القرارات السياسية من زاوية انها انعكاس لتطورات فعلية حدثت في النظام الاقتصادي القائم، وكذلك الاجراءات بكونها ليست نتيجة رغبة ذاتية للمسؤولين والسياسين، بل أن تطورات حقيقية حصلت على آليات السوق، وتغيرا بنيويا طراء عليها، في مرحلة انتقالية للراسمالية من رأسمالية منتجة الى رأسمالية مالية. وتم خلق أوهام بأن هذا النهج يخلق الوفرة ، لحجزمقاومة القوى الاجتماعية.

3. يلحض المؤلف أن العالم يعيش حقبة تحولات مهمة، فالازمة الاقتصادية كلفت الدول الصناعية الراسمالية خسائر كبرى بالمقارنة مع دول الاقتصاديات الناشئة. ويحذر من عمليات استحواذ تقوم بها ما اسماه الراسماليات الاستبدادية، والمقصود الاقتصاديات الناشئة (الصين والهند وروسيا والرازيل)، على مصانع واسواق الدول الصناعية، من خلال شركات وصناديق تمتلكها الدولة.

4. العودة الى سياسية الحماية للاسواق الوطنية والقومية،

5. يعتقد المؤلف ان العودة الى تحرير اقتصاد السوق من القيود كانت ثورة فرضتها الحكومات على المجتمعات كما يصفها المؤلف، في مطلع  السبعينات في الولايات المتحدة وانتقلت شرارتها الى اوروبا، ومن ثم الى اقتصاديات الدول الصاعدة، بدأ تطبيق هذا النهج، الساسة المحافظون واللبراليون، ثم انضم اليهم الاشتراكيون الديموقراطيون (علما بان هذه الخطوة، تحرير السوق، قد جاءت على اثر أزمة النظام الراسمالي ذاته، كما أن النظرية الكنزية كانت قد طبقت أثر أزمة النظام الراسمالي، أزمة الكساد العظيم، أي أن النظام الراسمالي يخلق ازماته المتتالية لانها من طبيعته)، شلت هذه الأزمة الثانية النمو الاقتصادي وتسببت في ارتفاع مستويات الاسعار بمعدلات كبيرة، وفسرت من قبل الاقتصادين البرجوازين، وتبناها المؤلف، بانها وليدة الفهم الزائف والتطبيق الخاطئ للكنزية، من قبل الحكومات، حيث تم تحميل دولة الرعاية الاجنماعية اعباء لا قدرة لها على تحملها. فمن منظار الاقتصاديين البرجوازيين يتم تفسر أزمة الراسمالية بأنها تنشأ نتيجة اخطاء، وليس أزمة النظام الرأسمالي ذاته، ازمة بنيوية، ومن هنا جاءت الثورة المضادة للفكر الكنزي.

6. ان ادوات مراكز راسالمال، صندوق النقد والبنك الدوليين قد تم تأسيسهما اثر الأزمة الاقتصادية مع نهاية الحرب الثانية، بوصفهما ادوات لمراكز رأسالمال العالمي على ارضية النظرية الكنزية والدولة القوية،في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وقد تغير دورهما نتيجة تغير متطلبات النظام الراسمالي، والسوق المحررة من القيود، ما بعد الازمة الراسمالية التي ولدت في امريكا اثناء وبعد حرب فيتنام والتي تعمقت بعد انهيار المعسكر الاشتراكي.

7. من هي الاطراف التي ستتحمل عبئ الازمة؟ يجيب المؤلف بالتأكيد الدول التي تراكمت لديها مبالغ هائلة من الاحتياطي الاجنبي: الصين الدول النفطية العربية وكذلك اليابان بالاضافة الى دافعي الضرائب، ولكن الذي تحمل فعلا وزر الأزمة هم دافعي الضرائب من الشعوب، ومحافظ السيادة العربية التي خسرت 70% من قيمة محافظها، تلتها المحافظ الاروبية بنسبة 40%، والاقل خسارة هي المحافظ الأمريكية بنسبة 30%.

8. جورج سورس ( المضارب الشهير الذي هزم البنك المركزي البريطاني): يتنبأ بنهاية عصر الدولار الامريكي وعصر الاسواق المحررة من القيود والضوابط، ويقول باننا بامس الحاجة الى نموذج جديد وافكار جديدة. ويضيف المؤلف ان النموذج الجديد هو نموذج الدولة القوية الفاعلة التي تعلو فوق الاقتصاد وتودي الوظائف التي هي من صلب اختصاصها.

9. تتعمق الازمة الرأسمالية بالرغم من حملة التضليل الاعلامي والتي توهم المجتمعات بأنها دخلت مرحلة التعافي، فكادت اليونان أن تنهار لعجزها الكامل عن تسديد مديونيتها، وعجزت اوروربا عن انقاذها، وكذلك حالة ايطاليا واسبانيا والبرتغال، وتم ازاحة الأزمة- المديونة من الشركات الى الحكومات.

وفي الختام ارجوا ان تفيد مراجعة هذا الكتاب في معرفة انعكاس تداعيات التطورات والاحداث في المركز الرأسمالي على دول المحيط التابعة.

وطرح سؤال برسم الاجابة، لماذا اصرار قوى التبعية في الاردن، في الاستمرار في هذا النهج الذي تعرفنا على تداعياته المدمرة على المجتمعات على الصعيد العالمي. وما زالت هذه القوى تزعم بأن تدخل الدولة في السوق يعيق التنمية والتطور، علما بأن الوقائع على الارض قد دحضت هذه المقولة بلا رجعة.

لماذا لا تزال القوى السياسية في الاردن، تقدم نفسها وتطلب مشاركة قوى التبعية في ادارة الازمة، وليس اعتماد نهج الخروج من الأزمة وتخطيها.

قد يرجع تخبط القوى السياسية الاردنية في تحديد، ألوية مهمات المرحلة، وشروط انجازها، وبالاساس التمييز بين العدو الرئيسي والعدو الثانوي، والتناقض الرئيسي والتناقض الثانوي، الى طغيان التركيز على الاضطهاد المباشر الواقع على المجتمع، والممارس بشكل مباشر من (المنفذ)  قوى التبعية (التحالف الطبقي الحاكم)، قمع الحريات،الفساد، تسليط الماضويين على المجتمع، وسوء توزيع الثروة، مما حجب الفاعل الحقيقي والمسؤول الحقيقي عن هذا القمع، وهي قوى الهيمنة، مراكز راسالمال العالمي التي تفرض كامل شروطها على دول المحيط.

ان التركيز في خطاب وادبيات القوى السياسية في البلاد على: الحرية والديمواقراطية والنزاهة والشفافية .. الخ، دليل على ازمة تحديد أولويات المرحلة.

هل مهمة  كسر حلقة التبعية، هي المهمة الرئيس لحركة التحرر الوطني والعربي، وهل شرط  الخروج من الأزمة على الصعيد العالمي يتطلب الخروج  عن النظام الراسمالي ذاته، هذه اسئلة مطروحة برسم الايجابة، على القوى الاجتماعية والسياسية والنقابية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s