كتاب قرأته: ديوان وليد الأعظمي (الأعمال الشعرية الكاملة)

Posted: 12 نوفمبر 2011 in كتاب قرأته, مقالات أدبية, أدب وشعر, شخصيات وتراجم

قضيت معظم وقتي في العيد أتسامر مع كتاب أكثر من رائع وهو سفر من أسفار الأدب والشعر الحديث هو “ديوان وليد الأعظمي: الأعمال الشعرية الكاملة” وقد أحببت أن أشارككم بعض معالمة وإني أرى أن أصدق وصف له ما جاء في مقدمته وتقديماته التي اسوق لكم بعضها.

تقديم بقلم المستشار عبد الله العقيل

أول معرفتي بالأخ الشاعر وليد عبد الكريم الأعظمي سنة 1947 – 1948م، حين قدمت إلى بغداد للدراسة في الثانوية الشرعية بالأعظمية مع زملائي الإخوة: يوسف العظم، وإبراهيم المدرس، ونعمان السامرائي، وحافظ سليمان، وغيرهم.

وكان لنا مع إخواننا سكان الأعظمية أمثال الشاعر الأخ وليد الأعظمي والأخ صالح الدباغ، والأخ عبد الحكيم المختار وغيرهم لقاءات متصلة، من خلال الأسر، والكتائب، والرحلات، والمخيمات، والدروس والمحاضرات، والمؤتمرات والاحتفالات، وكانت مكتبة الإخوان المسلمين في الأعظمية من الأماكن التي نكثر التردد عليها، حيث تجري المناقشات الدعوية والمطارحات الشعرية والمساجلات الأدبية، فضلاً عن المسابح على ضفاف نهر دجلة، حيث نمارس السباحة والرياضة.

وكنت ألمح في أخي وليد الأعظمي هذا الحماس والعطاء المتدفق والعمل الدءوب، والغيرة الصادقة على الإسلام وحرماته، والحرص على جمع الشباب على منهج الإسلام، والتصدي لقوى الإلحاد والطغيان والفساد، والإفساد الذي يمارسه دعاة الشيوعية وأذناب الاستعمار وعملاء الأعداء الكفرة.

وكانت بواكير شعره تنطلق من أعماق قلب مؤمن وكبد حرَّى، كما كان حبّه لإخوانه العاملين في حقل الدعوة الإسلامية، السائرين في ركب كبرى الحركات الإسلامية المعاصرة هو الطابع الغالب على أشعاره، رغم حداثة سنه، فلم يكن له لهْوُ الشباب ولا عبثُ المراهقين، بل الجدُّ الصارم، والعزم الأكيد، والجهاد المتواصل. ولم تكن تفوته مناسبة؛ صغرت أو كبرت، إلا وكان له سهم فيها؛ لأنه تربّى في جامع الإمام الأعظم، وكان يحضر الدروس على العلماء في مجالسهم، مما زاد في ثقافته الإسلامية والتزامه.

بدأ نظم الشعر، وهو في الخامسة عشرة من عمره، وساعده على ذلك محفوظاته للشعر العربي القديم والحديث، كما كان لتوجيهات خاله الأستاذ مولد الصالح، والأستاذ المصري الإخواني محمود يوسف – المدرس بدار المعلمين بالأعظمية – الأثر الكبير في توجيهه، وتصحيح أوزان الشعر عنده، وضبط الكلمات.

وقد اشترك معنا في المظاهرات الشعبية بقيادة الشيخ محمد محمود الصواف ضد معاهدة (بورت سموث)، حتى سقطت حكومة صالح جبر التي عقدتها، وألغيت المعاهدة، وكان نصيبي وإخواني (العظم، والمدرس، والسامرائي) التوقيف في مركز الشرطة، ثم الإفراج بعد أيام بشفاعة الشيخ أمجد الزهاوي.

وقد أولاه الأستاذ الصواف عناية خاصة، فكان يشجعه ويقدّمه في المحافل العامة؛ لينشد الشعر الإسلامي وينشره في مجلة الأخوة الإسلامية، كما كان يصحبه في زيارة المدن العراقية.

وقد ذاع صيته وانتشرت قصائده وأشعاره في العالم العربي كله، وكان الشباب المسلم يترنم بها في كل مكان، وينشدها في المناسبات.

وأسهم بإلقاء الكثير من القصائد في البلدان التي زارها، مثل: الكويت، وسوريا، والأردن، وفلسطين، ومصر، والجزائر، والسعودية، والإمارات، واليمن وغيرها.

كما اهتم به الأدباء والشعراء والنقّاد والدارسون في الجامعات، الذين قدّموا رسائل الماجستير عن حياته وشعره.

ورحّبت به الكثير من المجلات الهادفة، ونشرت له أشعاره وبحوثه في النقد واللغة والتاريخ والفن.

ولقد وجدتُ كثيرًا من الحرج والتردد حين طلب إليّ الشاعر أن أقدّم له مجموعة دواوينه التي سبق أن قدَّم لكل واحد منها علم من أعلام الدعوة المعاصرة، كالشيخ القرضاوي، ونعمان السامرائي، ونور الدين الواعظ، ومحسن عبد الحميد، الذين أجادوا التقديم؛ ذلك لأن باعي في الأدب والنقد والشعر قصير جدًّا، فأنا من المحبين والعاشقين للشعر الهادف الأصيل، ولكني لست من فرسان هذا الميدان، ولا من رجاله.

واستجابة لطلب أخي أبي خالد، شرعتُ في تسطير هذه الكلمات؛ وفاءً للأخوة، وتقديرًا لهذا الشاعر الفحل، الذي أحببته من كل قلبي، وتأثرت بشعره، وانفعلتُ به، فهو لسان من ألسنة الحق في هذا الزمان الذي قلّ فيه الصادقون.

ولئن باعدت الأيام بيننا سنين طويلة، حُرمنا فيها من اللقاء، بسبب بُعد الديار، وجور الطغاة، فإن قلوبنا في لقاء متصل بورد الرابطة والأذكار في الليل والنهار، والحمد لله.

ويعلم الله أنني مدين للأخ الحبيب أبي خالد بالكثير من الفضل، فقد وجدت في كتابه: (السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني) ما أزال الغشاوة عن عيني، فقد كنت في مرحلة الدراسة الجامعية بمصر معجبًا بهذا الكتاب، وأعتبره من المراجع المعتمدة، حتى فضح عواره، وكشف عن خبيئته الأخ وليد الأعظمي، فسارعت في نقد الكتاب، وبيان أغاليطه، وأكاذيبه، وحذّرت الناس من الاغترار به، مستشهدًا – فيما نشرتُ – بكلام الشاعر وليد الأعظمي في كتابه الرائع آنف الذكر.

وأعود إلى دواوين الأخ الأعظمي لأقول: إن كل ديوان فيها يزخر بفيض من هذا الشعر الإسلامي الأصيل الذي يشحذ الهمم، ويقوي العزائم، ويستجيش العواطف، ويدفع للعمل الجاد، والجهاد المتواصل، من أجل نصرة الإسلام والمسلمين، والتصدي للطغاة والجبارين.. ولنقرأ بعض ما جاء في قصيدة بعنوان: (ذِكرٌ ونسيان):

شريعة الله للإصلاح عنوان                              وكل شيء سوى الإسلام خسرانُ
لما تركنا الهدى حلّت بنا محنٌ                          وهاج للظلم والإفساد طوفانُ
تاريخنا من رسول الله مبدؤه                            وما عداه فلا عزٌّ ولا شانُ
محمدٌ أنقذ الدنيا بدعوته                                 ومن هداه لنا روح وريحان
لا خير في العيش إن كانت مواطننا                    نهبًا بأيدي الأعادي أينما كانوا
لا خير في العيش إن كانت عقيدتنا                    أضحى يزاحمها كفرٌ وعصيانُ
ها قد تداعى علينا الكفر أجمعه                        كما تداعى على الأغنام ذؤبانُ
والمسلمون جماعات مفرقة                            في كل ناحية ملك وسلطانُ
في كل أفق على الإسلام دائرة                         ينهدُّ من هولها رضوى وثهلانُ
حرب صليبية شعواء سافرة                           كالشمس ما عازها قصد وبرهانُ
كل الحوادث نالتنا مصائبها                            ولم يزل عندنا عزم وإيمان
قرآننا مشعل يهدي إلى سبل                           من حاد عن نهجها لا شكّ خسران
قد ارتضيناه حكمًا لا نبدّله                             ما دام ينبض فينا منه شريانُ

ويقول في قصيدة بعنوان: (نداء السجين):
 ثوروا على الباغي الذليلِ                              واحموا تعاليم الرسولِ
 أبقوا الحياة كريمة                                      في ظل دستور نبيلِ
 وتمرّدوا فالحر يأبى                                    أن يساوى بالذليلِ
 والموتُ أهون عند نفس                              الحر من حكم الدخيلِ
ويقول في قصيدة بعنوان: (ربيع تموز):
من الخليج إلى تطوان ثوارُ                              شعب يزمجر في أحشائه الثارُ
طافتْ به ذكريات المجد فالتهبت                        طاقاته باندلاع دونه النارُ
تحركتْ فيه روح العزم ثانية                            فهبّ لم يثنهِ بطش وأخطارُ
سامته خسفًا لصوص بات يدفعها                      للغدر والظلم جاسوس ودولارُ
آمنت بالله أن الحق منتصر                              والظلم مندحر والكفر منهارُ
والشعب إن مازج الإيمان همته                         فإنه لقوى الإفساد دحّارُ
آمنت بالله إيمانًا عرفتُ به                               أن الزمان على الباغين دوّارُ
لا ينكر اللهَ إلا جاهل نَزِقٌ                                غِرٌّ بليد سفيه الرأي ختّارُ

ويقول في قصيدة بعنوان: (يا هذه الدنيا):
يا هذه الدنيا أصيخي واشهدي                           أنَّا بغير محمدٍ لا نفتدي
لا رأسمال الغرب ينفعنا ولا                               فوضى شيوعيٍّ أجير أبلدِ
وسطًا نعيشُ كما يريد إلهنا                               لا نستعير مبادئًا لا نجتدي
إسلامنا نور يضيء طريقنا                               إسلامنا نار على من يعتدي
ولو ذهبنا نستقصي روائع قصائده في هذه الدواوين الخمسة، في هذه المقدمة، لضاق بنا المجال، ولكنا نحيل القارئ إلى القصائد في الدواوين كلها، فليس فيها إلا الشعر الأصيل والعاطفة الصادقة، والدعوة الصريحة الواضحة لالتزام منهج الإسلام، والعمل به في واقع الحياة، وهجر ما عداه من مناهج الكفر، حيث يقول:

لسنا نريد مناهجًا وضعية                              قرآننا السامي أعزّ وأرفعُ

إن الأخ الشاعر وليد الأعظمي لم تزده الأحداث، ولا تعاقب الأيام إلا إصرارًا على التمسك بالحق، والدعوة إلى الحق، والصبر على الأذى في سبيل الحق، واحتساب ذلك عند الله (عز وجل).

وهو لم يتلون مع المتلونين، ولم يخضع للسلاطين، وظل شاهرًا سيفه، ينافح عن الإسلام دينًا، والمسلمين أمةً، في أي صقع من أصقاع الأرض وجدوا، تؤرّقه مشكلاتهم، ويتألم لمعاناتهم، ويستنهض الهمم لنجدتهم، والوقوف إلى جانبهم.

والأستاذ وليد الأعظمي شاعر عاش قضايا أمته الإسلامية في أنحاء الدنيا كلها، وليس مختصًا بقطر دون قطر، فالعراق والعالم العربي كله، بل والعالم الإسلامي برمته هو شغله الشاغل، فهو يتحدث عن فلسطين، وكشمير، وقبرص، والفلبين، والشيشان، والجزائر، وزنجبار، وسائر الأقطار الإسلامية التي انتابتها النائبات، وأرخى الظلم بكلكله عليها، والاستعمار قمة الظلم والظلام حيث حلَّ ويحلّ، وشاعرنا الأعظمي كان له بالمرصاد، فلم يهادن ظالمًا مستعمرًا، سواء جاء من وراء البحار، أو جاء بأمر من الاستعمار، من أبناء الوطن، وهو ليس من أهل الوطن، وليس من أهل العروبة والإسلام؛ لأنه عمل غير صالح، ولذلك كان يتصدى له شاعرنا أبو خالد، ويسوطه بسياط من القول حِداد شِداد، ويلقي عليه حمَمَ شعره، فلم يكن شعره الذي يستهدف به أولئك الظالمين، إلا شواظًا من نار.

ما كان وليد الأعظمي شاعر الدعوة في العراق وحده، بل كان بشعره يتخطّي الحدود، ليكون على ألسنة أبناء الحركة الإسلامية الذين أحبّوه، وأحبّوا شعره، وكان الوقود الذي يشعل الحرائق في القلوب، ليهبَّ ذووها إلى ميادين العزّ والفخار، وهم ينشدونها مرة، ويهتفون بها مرات.

إنني لأشد على يد أخي أبي خالد، باسمي وباسم الآلاف الذين آمنوا بدعوة الحق والقوة والحرية، ونطالبه بالمزيد في هذه الأيام والليالي الحبالى، والتي نحسبها بداية النهوض الحقيقي لهذه الأمة التي عانت ما عانت على أيدي الطواغيت الذين جاءونا بالاستعمار من جديد، بتصرفاتهم غير المسؤولة، فكانوا بها الماهدين له الطريق، ليعيد استعمار العراق الأبيّ، وأهله الميامين الذين يتطلعون إلى الحادي (وليد)، ليثير نخوات الأبطال، ويستنفر المجاهدين الأبرار، فقد عاد الصليبيون يحملون أوزارهم، وصلبانهم في عقولهم وقلوبهم، وعلى أسنة ألسنتهم، وما يخفون من الأحقاد التاريخية أكبر، وليس لهم إلا الأسنة والرماح، مترعة بإيمان القذائف المؤمنة التي يحرّك بها الوليد أبو خالد سواكن النفوس، فينادي مناديها: يا خيل الله اركبي، ولن يكون الله إلا مع جنوده، ينصرهم، ويدحر أعداءهم.. فهيا يا وليد الشباب المؤمن، هيا يا أبا خالد، أثر الخوالد بأوابدك، فالميادين تنتظرك وتنتظرهم، والسلام عليك وعليهم في الخالدين.

ويقول الدكتور يوسف القرضاوي في تقديمه لديوان ( الشعاع) :” إنه لم يعش في برج من الأبراج العاجية التي يعيش فيها المترفون، ولا صومعة من الصوامع الخلوية التي يستريح فيها المتصوفون، إنه شاعر الواقع، شاعر الحياة، وولعه بالواقع والحياة جعله بحق : شاعر الشعب شاعر الإسلام.”
ويضيف:” شاعر الشعب: يشدو له حين يفرح، ويبكي له حين يأسى، ويأزر له حين يظلم، ويصرخ صراخ الحارس ليقظ إذا أهدرت حقوقه، أو ديس حماه… إن شعبه هم المسلمون في كل مكان عربا كانوا أو عجما.”
ويقول الناقد المعروف جابر القميحة:” والشاعر وليد – كما ذكرنا من قبل وكما أجمع من قدموا لشعره – كان يؤمن – منذ بداياته الشعرية – بهادفية الشعر ورساليته، فلم يكن هذا الإيمان فجائي الوجود، بل كان انبثاقاً فنياً طبيعياً من قلب مسلم عالم يرى في الشعر وسيلة دعوية بناءة، وجهاداً ميموناً بالكلمة الفعالة الحرة الصادقة، وقد ألح على هذا المعنى عشرات المرات في شعره.”
ويقول نعمان عبد الرزاق السامرائي واصفا شعر واليد الأعظمي بأنه:” يمثل انتفاضة روح مؤمن راغب في الله، وأشواق قلب طاهر غيور على عقيدته، غيور على دينه، غيور على أمته، وألحان وفاء لفكرة باعها نفسه ووقف عليها إحساسه ومشاعره”
لساني لم ينطق حراما ولا هوى
وشعري لم يضم كلاما مفندا
ولم أتلون كالذين تلونوا
وزاغوا وراغُوا خِسةً وتصيُّدا
وحسبي من الشعر الحلالِ قصائدٌ
نَطقتُ بها تبقى إذا لفَّنِي الرَّدى
وقصارى القول فالمجموعة الشعرية حافلة بالكثير من القصائد الموحية، الدالة على علو قامة هذا الشاعر، وإن لم تخل من بعض السطحية، والمباشرة في معالجة الفكرة، والاعتناء بالمعنى على حساب الألفاظ.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s