الغزالي كما يراه القرضاوي

Posted: 21 سبتمبر 2011 in كتاب قرأته, مقالات إسلامية, شخصيات وتراجم

بقلم : د.يوسف القرضاوي

مدير مركز بحوث السنة النبوية/ جامعة قطر

لا أدري كيف أستطيع أن أحدثكم عن شيخنا الغزالي، وكيف أستطيع أن ألخص مسيرة نصف قرن، إلا كما لو أراد الإنسان أن يضع البحر في قارورة.ورغم أن بيني وبين الشيخ الغزالي تسع سنوات فقط، فأنا أقول: “شيخنا الغزالي”؛ حيث إنني تتلمذت على يديه، فعرفته أولا قارئا لمقالاته، ثم لكتبه، بدءًا من “الإسلام والأوضاع الاقتصادية”، ثم “الإسلام والمناهج الاشتراكية”.

أحببته قبل أن أراه

حينما قرأت للغزالي وجدت أديبا من طراز ممتاز، يتكلم عن الإسلام بقلم بليغ، وما كنت أعلم أنه شيخ أزهري؛ فمعلوماتي أن المشايخ لهم أسلوب وموضوعات غير هذه الموضوعات، وروح غير هذه الروح، كان الشيخ الغزالي يكتب أحيانا تحت عنوان “خواطر حرة”، ويكتب في التاريخ تحت عنوان “صحائف المجد”، ويكتب أحيانا عن “الطبقات المستضعفة”.


ولذلك ما كنت أعتقد أن الغزالي الذي يكتب في مجلة “الإخوان المسلمون” أحد شيوخ الأزهر، حتى كتب يوما تحت توقيع “محمد الغزالي الواعظ”، فسألت: هل هو من عائلة الواعظ، أم أن الواعظ صفة له؟ قالوا: لا، هي صفة ووظيفة. قلت: هل هو شيخ أزهري؟ قالوا: نعم، هو شيخ معمم. فزادني هذا حبا له.

اللقاء الأول

ولم يقدر لي أن ألقاه إلا حينما أخذت من سجن قسم أول طنطا أنا وأخي أحمد العسال، وعندما حدث في الباخرة التي أقلتنا إلى الطور نوع من الهرج والمرج بين الإخوان، فإذا بشاب أقرب إلى القِصَر، حاسر الرأس، خرج وتكلم كلمات كانت بردًا وسلامًا، فقال: أيها الإخوة، يجب أن تصبروا وتصابروا، حتى نذهب إلى المكان الذي قدر لنا أن نعيش فيه، وهو الأرض التي انطلقت منها شرارة الوحي المقدسة، قبل وحي محمد صلى الله عليه وسلم، لتحرير الأمة المستعبدة، إلى الطور، فسكت الإخوان وكأن على رءوسهم الطير.

قلت لبعض الإخوة: مَن هذا المتحدث؟ قالوا: إنه الشيخ الأزهري محمد الغزالي. فقلت: هذا حبيبي الذي أحببته دون أن أراه. وها أنا أراه لأول مرة.

وشاء الله أن أكون معه حينما قسمنا في المعتقل على السجن، حيث كان المعتقل مقسما إلى حذاءات، والحذاء مقسم إلى عنابر؛ فكان من قدر الله أن أكون في هذا الحذاء الذي إمامه الشيخ الغزالي، يؤم المصلين ويخطبهم.

وحضرنا أول خطبة للشيخ، فإذا بها ثورة عارمة، فقد كانت تصرف للمعتقل أشياء من النواشف كما يسمونها، من معلبات وأشياء جاهزة ونحو ذلك، فلا يعطون المعتقلين منها إلا الفتات. فخطب الشيخ الغزالي خطبة ثم قاد مظاهرة تهتف بسقوط سياسة التجويع، والمعتقلون وراء الشيخ الغزالي، فخاف قادة المعتقل، وأقبلوا يفاوضون المعتقلين.

ومن هذا الوقت ظللنا مع الشيخ الغزالي، وكان شهر رمضان، فاستمتعنا به وراءه، يصلي بنا ويقرأ القرآن الذي كان يحفظه حفظا جيدا، وكان يقرأ ختمتين: ختمة يقرؤها في صلاة التراويح، وأخرى في الصلوات الأخرى.

وكان يقول في دعاء القنوت: “اللهم فك بقوتك أسرنا، واجبر برحمتك كسرنا، وتول بعنايتك أمرنا، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، اللهم عليك بالظالمين”.

وألقى علينا الغزالي محاضرات حول الإسلام والاستبداد السياسي، جمعها بعد ذلك في كتاب تحت عنوان “الإسلام والاستبداد السياسي”، ورغم أنه كان يعلم أن هناك عيونا وآذانا تستمع لكل ما يقال لكنه ما كان يبالي.

وحينما خرجنا من المعتقل ظللنا على صلة دائمة بالشيخ الغزالي؛ حيث يدعونا إلى بيته، نأكل من جيد طعامه، ونسمع من جيد كلامه.. هذا لبطوننا وذلك لعقولنا، فتعلمنا من الشيخ الغزالي محاضرا وتعلمنا منه مدرسا ومتحدثا وكاتبا.

“كتاب” وفاء للشيخ

وقد كتبت عن الشيخ الغزالي كتاب “الشيخ الغزالى كما عرفته.. رحلة نصف قرن” الذي أردت أن يكون صفحة وفاء للشيخ في حياته؛ فكثير من الناس لا يعترفون بأقدار الكبار إلا بعد وفاتهم، كما وجدت أن الماركسيين وغيرهم يضعون هالات على رجالهم وأدبائهم وشعرائهم ومفكريهم، بينما الإسلاميون لا يتحدث بعضهم عن بعض.

وقد بدأ هذا الكتاب عندما أراد ثلة أن يكتبوا كتابا عن الشيخ ويهدونه إليه بمناسبة بلوغه السبعين، وألفت لجنة لذلك، ولكن للأسف لم تنجح اللجنة في إتمام هذا الأمر، ولم يكتب إلا الأخ د.محمد عمارة الذي أصدر كتابا صغيرا بعنوان: “الشيخ الغزالي والموقع الفكري”، وبعض المقالات في كتاب عن دار الصحوة. وبدأت هذا الكتاب على أنه مقالة ولكنها طالت حتى جاء هذا الكتاب في عشرة فصول، ومع ذلك فإنها لم توف الشيخ حقه.

الدعوة لحمه ودمه

الشيخ الغزالي هو رجل دعوة من الطراز الأول، كانت الدعوة إلى الإسلام لحمته وسداه ومصبحه وممساه وحلم ليله وشغل نهاره، عاش للدعوة، ماضيه وحاضره ومستقبله للدعوة فحين يكتب أو يخطب أو يدرس فكله للدعوة، وإذا هاجم فللدعوة، وإذا دافع فعن الدعوة وإذا انتقد فللدعوة.

وكانت أدوات الدعوة عنده متيسرة ومتوافرة أولها القرآن الكريم، فكان يحفظ القرآن، كأنه أمامه سطر واحد، فكان يلتقط منه المعاني كأنه صفحة بين يديه، فهو يعتبره المصدر الأول للداعية ويجب أن يحكم على كل مصدر، يحكم على السنة ويحكم على القياس والإجماع ويحكم على كل شيء؛ فهو أصل العقيدة والشريعة.

واستطاع الشيخ الغزالي أن يستنبط من القرآن ما لا يستنبطه غيره.

فعندما كنت في الجزائر وبعض الإخوة من تلاميذ الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله يتكلمون عن فكرة الأستاذ مالك عن فكرة القابلية للاستعمار، قلت لهم: إن الشيخ الغزالي سبق إلى هذه الفكرة، قالوا: كيف وأين؟ قلت: في كتابه “الإسلام والأوضاع الاقتصادية” قال: إن الأمم تكون عندها استعدادات للفساد والاختلال، ويؤدي هذا الاختلال إلى الاحتلال، واستدل على ذلك بآيات سورة الإسراء عن بني إسرائيل حينما أفسدوا في الأرض أدى إلى إصابتهم بالاستعمار والطغيان استعمرهم البابليون والفرس والرومان.. الخ.

وكان الشيخ الغزالي يعيش مع القرآن فكان يصدِّر كتبه بهذه العبارة “في سبيل الله والمستضعفين” آخذا من الآية: “وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ” وهذا مبدأ قرآني. وردا على الذين يقولون “الدين أفيون الشعوب”، كوَّن الغزالى مع عدد من إخوانه العلماء الأزهريين جماعة تحت شعار”الدين في خدمة الشعب”.. فقد كان يرى أن الدين في خدمة الشعوب، فأصدر كتابيه الأول والثاني تحت هذا الشعار، ولهذا أيضا رفض كل ما لا يتفق مع القرآن؛ وهو ما جعله يرفض الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه أن أبا النبي صلى الله عليه وسلم في النار. فقال: هذا مخالف للقرآن، فالله سبحانه وتعالى قال: “وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً”، والعرب لم يرسل إليهم رسول بنص آيات أربع من كتاب الله، وذكر من هذه الآيات: “لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ”، “وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ” لذلك رفض هذا الحديث؛ لأن القرآن عنده أعلى المصادر.

الأداة الثانية كانت الثقافة؛ فكان الشيخ الغزالي مثقفا ثقافة واسعة، وفي كتاب اسمه “ثقافة الداعية” ألفته من سنين طويلة ذكرت فيه أن الداعية محتاج إلى ستة أنواع من الثقافات: الثقافة الدينية، بمفرداتها المختلفة: تفسير وحديث وفقه وأصول وغير ذلك.

والثقافة الأدبية واللغوية، والشيخ الغزالي كان أديبا من أدباء الأمة، وكان حريصا على أن لا يخطئ من الناحية اللغوية، ولو أخطأ مرة اعترف واعتذر. وذات مرة انفعل في الكلام فأخطأ فقال: الانفعال جعلني أخطئ في النحو. سأحاول ألا أنفعل. وكان يحفظ آلاف الأبيات من الشعر؛ فأظن أنه يحفظ ديوان الحماسة جله إن لم يكن كله. كما كان لدى الشيخ الغزالي ثقافة تاريخية؛ فكان معنيا بالتاريخ الإسلامي، وثقافة إنسانية عامة وثقافة علمية، هذا بالإضافة إلى ثقافة واقعية؛ فكان موصولا بالواقع وتيارات الحياة المختلفة، وكانت هذه الثقافة الواسعة هي زاده وأداته الثانية بعد كتاب الله عز وجل.

أشعري النفس سلفي الروح

كان الشيخ الغزالي أشعريا، ولكنه لم يكن متعصبا، درس المذهب الأشعري فيما درسه في الابتدائي والثانوي وفي الأزهر وفي كلية أصول الدين، وحينما ألف كتابه “عقيدة المسلم” ألفه بروح سلفية ونفَس أشعري، وخاصة من حيث التبويب والتقسيم فإنك تجد فيه لمسة أشعرية؛ وهو ما جعله يقول بالتوفيق بين العقل والنقل، فإن المذهب الأشعري يقول: إن العقل هو أساس النقل، فلولا العقل ما كان النقل؛ لأن ثبوت النبوة أمر قائم على العقل، فلو ألغينا العقل ما ثبتت النبوة وما ثبت الوحي، ولهذا يقول الإمام الغزالي، ويقول قبله الأشاعرة: “إن العقل أساس النقل”؛ وهو ما جعله يقول: إن أحاديث الآحاد لا تثبت بها العقيدة ولا تفيد التواتر، أحاديث التواتر تفيد الظن ولا تفيد اليقين، وإخواننا الذين ردوا على الشيخ الغزالي أنكروا عليه هذا. مع أن الشيخ الغزالي لم يبتكر هذا المدرسة؛ فالأشعرية والماتريدية وجمهور الأصوليين مع الشيخ الغزالي، وقد ذكرت في كتابي أن محققي الحنابلة مع الشيخ الغزالي، وهم: أبو يعلى الفراء في العدة، وأبو الخطاب في التمهيد، وابن قدامة في الروضة، وابن تيمية في المسودة. والأصوليون الحنابلة أنفسهم يقولون: إن أحاديث الآحاد لا تفيد اليقين، وهذا هو المعقول؛ لأنها تلابسها أشياء لا يمكن أن تفيد اليقين.

من أدوات الشيخ الغزالي في الدعوة العقل، العقل المبصر، العقل المؤمن؛ فهو عقل في إطار قواطع الإسلام.

فقد استخدم الشيخ الغزالي عقله في فهم الشريعة وفهم العقيدة، لذلك رفض بعض الأحاديث التي تخالف العقل في رأيه، مثل: “لولا بنو إسرائيل لم يخنز أي يفسد اللحم”، و”لولا حواء لم تخن أنثى زوجها”، رغم أن هذا في صحيح البخاري، فقال: إن اللحم يخنز ويفسد قبل بني إسرائيل وبعدهم. هذا قانون من قوانين الحياة، إذا تركت اللحم يتغير بعد مدة وينتن. وقال: إن حواء ما خانت آدم، وليس عندنا في الإسلام أن حواء خانت. فهو يستخدم عقله، وبعض الناس ينكر عليه هذا، وكأنما يريد البعض أن يخرجه من الملة، فالشيخ لم ينكر السنة، بالعكس هو دافع عنها في كتابه “فقه السيرة” وفي كتابه “ليس من الإسلام” وفي عدد من الكتب؛ فهو داعية يريد أن يعرض الإسلام معقولا مقبولا موافقا للفطرة، موافقا للمسلمات العقلية والدينية فما خالف هذه المسلمات من أحاديث الآحاد رفضه وإن جاء في الصحاح.

وهذا لا يضر الشيخ الغزالي؛ فمنذ عهد الصحابة أنكرت عائشة رضي الله عنها أحاديث على صحابة سمعوها بآذانهم قالت: لا، لم يفهموها أو حرفوا فيها أو غيروا فيها؛ لأنها رأتها مخالفة للقرآن، ولم يقل أحد إن عائشة خرجت من الإسلام بردها لهذه الأحاديث.

فهذا العقل المبصر للغزالي، رد به ما يرد، ورجح ما رجح في قضايا كثيرة في الفقه.

ولكنه حينما يرجح لا يرجح بالهوى، بل عنده منهجية معينة وأصول ثابتة يحاكم إليها الأشياء.

حينما اختار مثلا في قضية أن المرأة ديتها كدية الرجل فأنكروا عليه هذا لأن هذا ضد المذاهب الأربعة، صحيح أن هذا ضد المذاهب الأربعة، لكن الإجماع لم ينعقد في هذه القضية؛ فقد خالف فيها الأصم وابن علية كما ذكر الشوكاني، ولم يصح فيها حديث؛ فكل الأحاديث التي استدل بها على أن دية المرأة على نصف من دية الرجل لم يصح منها شيء باعتراف أئمة الحديث أنفسهم، وهذا عقل الشيخ الغزالي الذي رد به على الشيوعيين وأبطل منطقهم.

صوفي القلب لا صوفي الطريقة

ورغم أنني لم أعرف عن الشيخ الغزالي أنه كتب الشعر، فإنه كان ذا نفس شاعرة، كان ذا قلب فياض؛ فلا بد للداعية أن يكون إنسانا ذا مشاعر، لا كتلة جامدة. ويعيب الغزالي على بعض الناس أنه ليس عندهم قلوب؛ فهم يعيشون في الألفاظ، ولكن لا قلوب لهم. هذه الصخور لا يمكن أن تصلح للدعوة للإسلام، إنما الدعوة للإسلام هي هذه العاطفة السمحة الحلوة، لذلك كان كل من عايش الشيخ الغزالي يحبه، حتى الذين يختلفون معه؛ فهو إنسان سمح لطيف المعشر سريع النكتة، ما تجلس معه إلا ويسمعك أكثر من نكتة، وأحيانا يستخدم النكت حتى في الدعوة، فلما سئل: هل الإنسان مسير أم مخير؟ قال لهم: “الإنسان في الغرب مخير، وأما في الشرق فهو مسير”. فأحيانا يحل المشكلة بنكتة.

ثم كانت له أداة ثالثة وهي الروحانية الدافقة، فكان الشيخ الغزالي صوفي القلب ولم يكن صوفي الطريقة، ولكنه كان يملك قلبا صوفيا كان يملك هذه الروحانية الدافقة، ومن عاشره أحس بهذه الروحانية، ومن قرأ له تأثر به، واعتقد فيه الإخلاص، فما سمعته إلا وتأثرت به لأنه كان يتكلم من قلبه، يعبر عما يجيش في نفسه، ليس زائفا ولا مزيفا ولا متكلفا، عاش لم يخلط إسلامه بشيء آخر، وقد شرح في كتابه “الجانب العاطفي من الإسلام” بعض حكم ابن عطاء الله السكندري شرحا عصريا بلغته الأدبية البيانية الرائعة.

وأذكر أنه كان بين الغزالي والأستاذ حسن الهضيبي شيء، ثم أصلحه وأثنى عليه ثناء كبيرا، وعندما علم أن الهضيبي أوصى بأن يدفن في مدافن الصدقة تأثر تأثرا بالغا، وكتب يقول: من أيامٍ مات الأستاذ حسن الهضيبي المرشد الثاني لجماعة الإخوان وبلغتني وصيته، لقد أوصى أن يدفن خفية، وأن يوارى جثمانه في مقابر الصدقة، وعقدت لساني دهشة وأنا أسمع العبارة الأخيرة “في مقابر الصدقة”.

فقلت: لم مقابر الصدقة؟ ولم يغب عني الجواب. لقد كان مستشارا راسخ المكانة رفيع الهامة لو اشتغل بمهاجمة الشريعة الإسلامية لنال جائزة الدولة التقديرية التي نالها غيره، ولو خدم الغزو الثقافي لعاش في بحبوحة موفور الراحة، ولكنه خدم الإسلام؛ فتجرع الصعاب والعلقم، طعن مع الدين الجريح، وأهين مع الدين المهان؛ فأراد أن تصحبه هذه المكانة في منقلبه إلى الله.

وعلق على موقف رجل قال له: أيها الشيخ أنا أذنبت وأريد أن أتوب؟ فيقول الغزالى: ومن يدري لعل هذا الشخص أقرب إلى الله مني، لعله بشعوره بما أذنب وشعوره بتفريطه في جنب الله يكون أقرب إلى الله منا، من يدري لعل أعمالنا هذه مغشوشة أو مدخولة!!

كان الشيخ الغزالي يملك روحانية دافقة؛ فكان يكثر قراءة قصيدة ابن الرومي في قيام الليل وعيناه تذرفان، هكذا كان الشيخ الغزالي أيها الإخوة، عاش داعية إلى الإسلام، مدافعا عن الإسلام، ومهاجما لأعداء الإسلام، وكتبه هكذا تقرؤها إما دفاع عن الإسلام وإما هجوم على أعداء الإسلام، هجم على اليهود في كتابه “حصاد الغرور”، هجم على المنصرين في كتابه “صيحة تحذير من دعاة التنصير”، بالإضافة إلى هجومه على الشيوعيين كما في كتابه “الإسلام في وجه الزحف الأحمر”، وهجومه على الحضارة الغربية كما في كتابه “ظلام من الغرب”، كانت كل كتبه هجوما أو دفاعا.. هذا هو الشيخ الغزالي.

جبهتا الجهاد

ولقد كتبت الأقدار على الشيخ أن يحارب في جبهتين واسعتين:

الأولى: جبهة الخصوم المتربصين بالإسلام، الكارهين لانتشار أنواره وعودته إلى قيادة الحياة، بعض هؤلاء من خارج الإسلام، من القوى العالمية التي تخافه أو تبغضه من اليهودية والصليبية والشيوعية والوثنية الذين اختلفت دياناتهم وطرائقهم، ولكن اتحدوا على ضرب الإسلام، وهم الذين قال الله فيهم: “وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ” [الأنفال: 73]، “وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ” [الجاثية: 19].

وبعض آخر للأسف الشديد من داخل أرض الإسلام، ومن أبناء المسلمين أنفسهم، وممن يحملون أسماء المسلمين: محمد وأحمد وحسن وحسين وعمر وعلي، ولكنهم لا يضمرون للإسلام إلا شرا ولا لدعاته إلا عداوة، ولا لشريعته إلا تنكرا؛ لأنه ضد شهواتهم المحرمة وضد مظالمهم المفترسة وضد مصالحهم الآثمة وضد مطامعهم الفاجرة.

والجبهة الأخرى: جبهة الأصدقاء الجهلة بالإسلام الذين يضرون الإسلام أبلغ الضرر من حيث يريدون أن ينفعوه؛ فيهشمون وجهه من حيث يظنون أنهم يدفعون ذبابة عنه، هؤلاء الذين سماهم الشيخ “الدعاة الفتانين” الذين يشغلون الناس بالفروع عن الأصول، وبالجزئيات عن الكليات، وبالمختلف فيه عن المتفق عليه، وبأعمال الجوارح عن أعمال القلوب.

إنه يشكو من دعاة لا يقرؤون ولا يعانون، مشدودين إلى جدليات الماضي السحيق، ولا يتطرقون لما جد حولنا ولا الطفرات الهائلة التي قفزت بها الحياة على أرضنا.

وإذا كان الجسم المصاب بفقر الدم يسقط في أول مراحل الطريق فالعقل المصاب بفقر المعرفة أعجز من أن يلاحق مطالب الجهاد أو يلبي حاجات الحق.

إنني لن أستطيع أن أوفي الشيخ الغزالي حقه في كلمات مهما كانت؛ فإننا أمام قائد كبير من قادة الفكر والتوجيه، وإمام من أئمة الفكر والدعوة والتجديد.. بل نحن أمام مدرسة متكاملة من مدارس الدعوة والفكر والإصلاح، لها طابعها وأسلوبها ولها مذاقها الخاص، وتحتاج إلى دراسات عديدة لإبراز خصائصها ومواقفها وآثارها؛ فليس الغزالي ملك نفسه ولا ملك جماعة أو حركة ولا ملك قطر أو شعب بل هو ملك الأمة الإسلامية جمعاء.

وأحب أن أقول: إن الشيخ الغزالي ليس معصوما وليس مبرأ من العيوب؛ فهو بشر، ولكن الشيخ الغزالي في مجموعه رجل عاش للإسلام، ومات من أجل الإسلام، وبقي في المعركة إلى آخر لحظة.. مات والسيف في يده.

فإذا كان للشيخ الغزالي عند بعض الناس أخطاء؛ فهذه لا تنقص منه، وكما جاء في الحديث: “إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث”.. فكيف إذا كان بحرا لا تكدره الدلاء!!

صحيح أنه سريع الغضب، وأنه إذا غضب هاج كالبحر حتى يغرق، وثار كالبركان حتى يحرق، وهذا ما لا يجحده الشيخ الغزالي وما يعلمه من نفسه، وسر هذا أن الرجل يبغض الظلم والهوان لنفسه وللناس، ولا يحب أن يَظلم أو يُظلم، ولا أن يستخف بكرامة أحد، كما لا يستخف بكرامته أحد، كما أنه لا يطيق العوج ولا الانحراف.

كما أن الشيخ لا يفجر في خصومته، ولا يفتري على خصمه أو يتمنى له السوء أو يشمت به إذا نزل به بلاء. ثم إن من صفات الشيخ الغزالي أنه إن كان سريع الغضب فهو سريع الفيء، رجاع إلى الحق إذا تبين له، ولا يبالي أن يعلن خطأه على الناس علانية، وهذه شجاعة لا تتوافر إلا للقليل.

رحم الله الشيخ الغزالي في الصالحين من عباده، وجزاه خير ما يجزي الأئمة العالمين العاملين الهداة المهتدين، وأسأل الله تعالى أن يجعلنا وراءه سائرين على الدرب متمسكين بالحق مقاومين للباطل، دعاة إلى الله على بصيرة “وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ”.

شيخنا الحبيب، لقد فقدتك الأمة وهي أحوج ما تكون إليك، فقدتك والمعركة بين الإسلام وأعدائه حامية الوطيس، والأعداء قد جاءوا من فوقها ومن أسفلها، كنا في حاجة إلى قلمك السيف؛ ليصول ويجول مدافعًا عن الحق في مواجهة الباطل، عن الإيمان في مواجهة الكفر، عن الإسلام المحاصر من الصهيونية والصليبية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s